ابراهيم بن عمر البقاعي

16

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

جواب الشرط : إِنَّا إِذاً أي إذا كان هذا لَخاسِرُونَ * أي كاملون في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد تضييعا ؛ وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف منه أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف ، وأقله أن يقولوا : ما وجه الشح بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم ، وذلك مما يحول بينهم وبين المراد ، فكأنه قيل : إن هذا لكيد عظيم وخطب جسيم ، فما فعل أبوهم ؟ فقيل : أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم فَلَمَّا ذَهَبُوا ملصقين ذهابهم بِهِ وَأَجْمَعُوا أي كلهم ، وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزما صادقا ؛ والإجماع على الفعل : العزم عليه باجتماع الدواعي كلها أَنْ يَجْعَلُوهُ والجعل : إيجاد ما به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه ، ونظيره التصيير والعمل فِي غَيابَتِ الْجُبِّ فعلوا ذلك من غير مانع ، ولكن لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم لا مانع لهم منه ؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله : وَأَوْحَيْنا أي بما لنا من العظمة إِلَيْهِ أي إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام . ولما كان في حال النجاة منها بعيدة جدا ، أكد له قوله : لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي لتخبرنهم إخبارا عظيما على وجه يقل وجود مثله في الجلالة بِأَمْرِهِمْ هذا أي الذي فعلوه بك وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * - لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم ، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك يوسف - قاله ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما نقله الرماني ؛ والشعور : إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة ، ومنه المشاعر في البدن ، وكان يوسف عليه الصلاة والسّلام حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة سنة - قاله الحسن ، قالوا : وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فرضعه على يديه ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وكان أبوكم يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم : أكله الذئب . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 18 ] وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا الاعتذار ، عطف على الجواب