ابراهيم بن عمر البقاعي
56
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان هذا ينبغي أن يكون سببا للتصديق الذي هو سبب الرحمة ، بين أنه إنما سبب لهم العذاب ، وله ولمن تبعه النجاة ، فبدأ بالمؤمنين اهتماما بشأنهم بقوله : فَأَنْجَيْناهُ أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيّا سريعا سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعرة من العجين وَالَّذِينَ مَعَهُ أي في الطاعة ، وأشار إلى أنه لا يجب على اللّه شيء بقوله : بِرَحْمَةٍ أي بإكرام وحياطة مِنَّا أي لا بعمل ولا غيره . ولما قدم الإنجاء اهتماما به ، أتبعه حالهم فقال معلما بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء في الطلب ، فتفوتهم أواخر العساكر وشذاب الجنود والأتباع وَقَطَعْنا دابرهم أي آخرهم ، هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر تصريحا بالمقصود وبيانا لعلة أخذهم فقال : دابِرَ أي آخر ، أي استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود عليه السّلام الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة إلينا ، وقوله : وَما كانُوا أي خلقا وجبلة مُؤْمِنِينَ * عطف على صلة الَّذِينَ وهي كَذَّبُوا بِآياتِنا وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم صلاح كما ختم قصة نوح بقوله إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ [ الأعراف : 64 ] تعليلا لإغراقهم ، أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون لذلك ، لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العناد ولزوم الإلحاد ، فالمعنى : وما كان الإيمان من صفتهم ، أي ما آمنوا في الماضي ولا يؤمنون في الآتي ، فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه لهم وفي علم اللّه أنه سيؤمن ، ويزيده حسنا أنهم لما افتتحوا كلامهم بأن نسبوه إلى السفاهة كاذبين ؛ ناسب ختم القصة بأن يقلب الأمر عليهم فيوصفوا بمثل ذلك صدقا بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم ، لأن الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك الهوى وقمع رعونات النفس والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين ، فمن تركه مع ذلك فهو في غاية الطيش والخفة وعدم العقل ، وأيضا فوصفهم بالتكذيب بالفعل الماضي لا يفهم دوامهم على تكذيبهم ، فقال سبحانه ذلك لنفي احتمال أنهم آمنوا بعد التكذيب وأن أخذهم إنما كان لمطلق صدور التكذيب منهم ، وأنهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب ، ويحتمل أن تكون الجملة حالا ، والمعنى على كل تقدير : قطعنا دابرهم في حال تكذيبهم وعدم إيمانهم . ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة عاد ، أتبعهم ثمود فقال : وَإِلى ثَمُودَ أي خاصة ، منع من الصرف لأن المراد به القبيلة ، وهو مشتق من الثمد وهو الماء القليل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، أرسلنا أَخاهُمْ صالِحاً