ابراهيم بن عمر البقاعي

53

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 69 إلى 71 ] أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 70 ) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 71 ) ولما كان يعرف ما يعتقدونه من أمانته وعقله ، وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من أن يطلع على ما لم يطلعوا عليه ، أنكر عليهم ذلك ذاكرا لما ظنه حاملا لهم ملوحا بالعطف إلى التكذيب فقال : أَ وَعَجِبْتُمْ أي أكذبتم وعجبتم أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ أي شرف وتذكير مِنْ رَبِّكُمْ أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط ، منزلا عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ أي عزه عزكم وشرفه شرفكم فما فاتكم شيء لِيُنْذِرَكُمْ أي يحذركم ما لمن كان على ما أنتم عليه من وخامة العاقبة . ولما كان التقدير : فاحذروا ، عطف عليه تذكيرهم بالنعمة مشيرا به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله : وَاذْكُرُوا إِذْ أي حين جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ أي فيما أنتم فيه من الأرض ، ولما كان زمنهم متراخيا بعدهم ، أتى بالجار فقال : مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في قوله أَ وَعَجِبْتُمْ من طلب الجواب ، أي أجيبوا واذكروا ، أي ولا تبادروا بالجواب حتى تذكروا ما أنعم به عليكم ، وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع لقوم نوح ، أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في أَ فَلا تَتَّقُونَ ، أَ وَعَجِبْتُمْ أي اتقوا ولا تعجبوا واذكروا ، أو يكون العطف - وهو أحسن على اعْبُدُوا اللَّهَ وقوله خُلَفاءَ قيل : إنه يقتضي أن يكونوا قاموا مقامهم ، ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الأرض ، وأن عادا إنما كانوا في قطعة منها يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمن ، فقيل : إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع الأرض ، فكأنه قيل : جعل جدكم خليفة في جميع الأرض ، فلو حصل الشكر لتمت النعمة ، فأطيعوا يزدكم من فضله ، وقيل : إن قصة ثمود مثل ذلك ، ولم يكن فيهم من ملك الأرض ولا أرض عاد ، فأجيب بما طرد ، وهو أن عادا لما كانوا أقوى أهل الأرض أبدانا وأعظمهم أجسادا وأشدهم خلقا أشهرهم قبيلة وذكرا ، كان سائر الناس لهم تبعا ، وكذا ثمود فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ونحوها بيوتا ، وعندي أن السؤال من أصله لا يرد ، فإن بين قولنا : فلان خليفة فلان ، وفلان خليفة من بعد فلان - من