ابراهيم بن عمر البقاعي
51
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أولها إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي [ يونس : 71 ] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو كان تبشيرا لما عز عليهم . ولما كان عاد بعدهم ، ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب ، اتبعهم بهم مقدما المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهم وهم بعض أهل الأرض فقال : وَإِلى عادٍ أي خاصة أرسلنا أَخاهُمْ أي في النسب لأنهم عنه أفهم وبحاله في الثقة والأمانة أعرف ؛ ولما عطفه على نوح عليهما السّلام بعد تقديم المرسل إليهم ، بينه بقوله : هُوداً بخلاف قوم نوح فإنهم كانوا جميع أهل الأرض ، لأن القبائل لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحدا ، ولم تفرق الألسنة إلا بعد الصرح ، ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض ، فكان المعنى حينئذ لا يختلف في قصته بتقديم ولا تأخير ، فناسب تقديم الرسالة أو المرسل لأنه أهم . ولما كانت قصة نوح عليه السّلام أول قصص الأنبياء مع قومهم ، ولم يكن للعرب عهد بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه ، فأتى فيها بالأصل « أرسلناه » فقال سياقا واحدا إخبارا لمن هو فارغ الذهن من كل جزء من أجزائها ؛ أتت قصة هود عليه السّلام بعد علم السامعين بقصة نوح عليه السّلام مما وقع من تبليغه لهم وردهم عليه ، فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى أنه هل قال لهم كما قال نوح وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ذلك ؟ فأجيب سؤال المتشوف بقوله : قالَ كقول نوح عليه السّلام سواء يا قَوْمِ مذكرا لهم بأنه أحدهم يهمه ما يهمهم اعْبُدُوا اللَّهَ أي لاستحقاقه ذلك لذاته ؛ ثم علل أو استأنف بقوله : ما لَكُمْ وأغرق في النفي فقال : مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ولما كانوا عارفين بما أصاب قوم نوح قال : أَ فَلا تَتَّقُونَ * أي أفلا تجعلون بينكم وبين عذاب هذا الواحد الجبار وقاية . ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج بالترهيب ، أجيب بقوله : قالَ الْمَلَأُ أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة ، ولما كانت عاد قليلا بالنسبة إلى قوم نوح عليه السّلام ، وكان قد أسلم من أشرافهم من له غنى في الجملة ، قيد بقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا أي ستروا ما من حقه الظهور من أدلة الوحدانية ، ووصفوا تسلية لهذا النبي الكريم فيما يرى من جفاء قومه بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله : مِنْ قَوْمِهِ وأكدوا ما واجهوه به من الجفاء لأنهم عالمون بأن حاله في علمه وحكمه يكذبهم بقولهم : إِنَّا لَنَراكَ أي نعلمك علما متيقنا حتى كأنه محسوس فِي سَفاهَةٍ أي مظروفا لخفة العقل ، فهي محيطة بك من جميع الجوانب ، لا خلاص