ابراهيم بن عمر البقاعي
5
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [ الأنعام : 6 ] ثم قال تعالى وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [ الأنعام : 10 ] ثم قال تعالى : قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [ الأنعام : 11 ] ثم قال تعالى وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا [ الأنعام : 34 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [ الأنعام : 42 ] ، وقال تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي [ الأنعام : 13 ] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بجريان ما جرى له بمن تقدمه من الرسل و قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ [ الأنعام : 33 ] فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية ، والإعلام بصبر الرسل - عليهم السّلام - عليهم وتلطفهم في دعائهم ، ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين : المستندة للسمع والمعتمدة للنظر ، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل ، وتنكب الآخرون بسوء التناول وقصور الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية ؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته عليه السّلام وتثبيت فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة ، وقد كان قدّم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذكر الأنبياء أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه ، واستوفى الكثير من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] فتأمل بما افتتحت به السورة المقصود بها قصص الأمم وبما اختتمت يلح لك ما أشرت إليه - واللّه أعلم بمراده ، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ [ الأعراف : 7 ] وختم القصص فيها بقوله : فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الأعراف : 176 ] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا [ الأعراف : 175 ] ، ثم قال : ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا [ الأعراف : 176 ] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص ، وكيف ألحق من كذب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين ، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم ، وفي ذلك أعظم موعظة ، قال اللّه تعالى إثر ذلك مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي