ابراهيم بن عمر البقاعي
49
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لكل فرد ، فهو أنص من نفي المصدر ، ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود ، إما لأنها صفة ذم لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها ، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين : إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم ، والثانية بعد أن أسلم بعضهم . ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون من صفات الخلق ، فقال مستدركا - بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده : وَلكِنِّي رَسُولٌ أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * أي المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال ، فرد الأمر عليهم بألطف إشارة ؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بيانا لرسالته فقال : أُبَلِّغُكُمْ وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة ، أو أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة عليهما السّلام فقال : رِسالاتِ رَبِّي أي المحسن إليّ من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها ، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع . ولما كان الضلال من صفات الفعل ، اكتفى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث في قوله : وَأَنْصَحُ وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال : لَكُمْ والنصيحة : الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه ، ولما كان الضلال من الجهل قال : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ أي من صفات الذي له صفات الكمال وسائر شؤونه ما لا تَعْلَمُونَ * أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء ، ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال وتزدادوا ضلالا . ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم كما سيأتي في غير هذه السورة ، أنكر ذلك عليهم بقوله : أَ وَعَجِبْتُمْ أي أكذبتم وعجبتم أَنْ جاءَكُمْ وضمن جاء معنى أنزل ، فلذلك جعلت صلته « على » فقال : ذِكْرٌ أي رسالة مِنْ رَبِّكُمْ أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلا عَلى رَجُلٍ أي كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فإنه مِنْكُمْ لقولكم : ما سَمِعْنا بِهذا أي إرسال البشر فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ [ المؤمنون : 24 ] لِيُنْذِرَكُمْ لتحذروا ما ينذركموه وَلِتَتَّقُوا أي تجعلوا بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أي وليكون حالكم إذا لقيتم اللّه حال من ترجى رحمته بأن يرفعه اللّه في الدارين .