ابراهيم بن عمر البقاعي

45

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مع ما فيه من الفخامة - على أنه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذابا كما كان على قوم نوح عليه السّلام وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين ، وتارة تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء ، وتارة مفرقة مبطلة لها ، وتارة تكون مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح ، وتارة تكون منمية لها أو مهلكة كما يكون في الخريف ، وتارة تكون طيبة وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة والبرودة ؛ ثم غيّ الإرسال بقوله : حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً أي حملتها لقلتها عندها لخفتها عليها ثِقالًا أي بالماء ؛ ولما دل على العظمة بالجمع وحقق الأمر بالوصف ، أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعا كأنه قطعة واحدة ، لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لا ختل أمره ، فقال : سُقْناهُ لِبَلَدٍ أي لأجله وإليه مَيِّتٍ أي بعدم النبات فَأَنْزَلْنا أي بما لنا من العظمة بِهِ أي بالبلد ، أو بسبب ذلك السحاب الْماءَ أي هذا الجنس ، وأشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال : فَأَخْرَجْنا بِهِ أي بالماء مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي الحقيقية على الأشجار ، والمجازية من النبات وحبوبه . ولما كان هذا - مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلا ثانيا في غاية الدلالة على القدرة على البعث ، قال تعالى : كَذلِكَ أي مثل ما أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن نُخْرِجُ الْمَوْتى أي من الأرض بعد أن صاروا ترابا لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * أي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجى تذكر هذه الآية المشاهدة القريبة المأخذ ولو على أدنى وجوه التذكر بما أشار إليه الإدغام ، لأنه سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف الأرض بعد أن كان تغيب في الأرض وصار ترابا ، وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا روح لها بإيداع الثمرة التي هي روحها ، فهو قادر على إعادة الأشباح وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة ، لأنه لا فرق بين الإخراجين . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 58 إلى 60 ] وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ( 58 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 59 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 60 ) ولما كانت الموت موتين : حسيا ومعنويا - كما أشير في الأنعام في آية إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [ الأنعام : 36 ] أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] كان كأنه قيل : لا فرق في ذلك عندنا بين أموات الإيمان وأموات الأبدان ، فكما أنا فاوتنا بين جواهر الأراضي بخلق بعضها جيدا وبعضها رديئا كذلك فاوتنا بين عناصر الأناسي بجعل بعضها طيبا وبعضها خبيثا ، فالجيد العنصر يسهل