ابراهيم بن عمر البقاعي

43

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

غيره مع اليمن والبركة وكثرة الآثار الفاضلة والنتائج الشريفة اللَّهُ أي ذو الجلال والإكرام . ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته ، دل على أنه يستحقه لصفاته فقال : رَبُّ الْعالَمِينَ * أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقا وتصريفا بأمره ، وفي الجزء السادس من فوائد المخلص عن سفيان بن عيينة أنه قال : ما يقول هذه الدوبية - يعني بشرا المريسي ؟ قالوا : يا أبا محمد ! يزعم أن القرآن مخلوق ، فقال : كذب ، قال اللّه عزّ وجلّ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فالخلق خلق اللّه ، والأمر القرآن - انتهى . وهذا الذي فسر به مما تحتمله الآية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله بِأَمْرِهِ وهو الإرادة والكلام مع احتمال ما قدمته . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 55 إلى 57 ] ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والأمر المقتضي لتفرده بالعبادة للتوجيه إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقية ، أمر بهذا المقتضى اللائق بتلك المعارف ، وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال : ادْعُوا رَبَّكُمْ أي الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع تَضَرُّعاً أي تذللا ظاهرا وَخُفْيَةً أي وتذللا باطنا ، وقد أثنى على عبده زكريا عليه السّلام فقال : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [ مريم : 3 ] أي اجمعوا إلى خضوع الظاهر خضوع الباطن ، أي أخلصوا له العبادة ، إنه يحب المخلصين لأن تفرده بأن يدعى هو اللائق بمقام عز الربوبية ، والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية ، وهذا هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الأزلي ، وهو المقصود من جميع العبادات ، فإن العبد لا يدعو إلا وقد استحضر من نفسه الذل والصعب والحاجة ، ومن ربه العلم والقدرة والكفاية ، وهذا هو المقصود من جميع العبادات ، فلهذا كان الدعاء مخ العبادة ، وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه ، ومن فعل خلاف ذلك فقد تجاوز الحد ، وإلى ذلك أومأ بتعليله بقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء وغيره ، قالوا : فالمعنى أن من ترك هذا لا يحبه اللّه ، أي لا يثيبه البتة ولا يحسن إليه ، فالآية من