ابراهيم بن عمر البقاعي
32
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إلى حالهم في ذلك فقال مجيبا له : كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ أي منهم في النار لَعَنَتْ أُخْتَها أي القريبة منها في الدين والملة التي قضيت آثارها واتبعت منارها ، يلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى - وهكذا ، واستمر ذلك منهم حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا أي تداركوا وتلاحقوا ، يركب بعضهم بعضا - بما يشير إليه الإدغام فِيها جَمِيعاً لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة قالَتْ أُخْراهُمْ أي في الزمن والمنزلة ، وهم الأتباع والسفل لِأُولاهُمْ أي لأجلهم مخاطبين للّه خطاب المخلصين رَبَّنا أي الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على ما كان منا من مقابلة إحسانه بالإساءة هؤُلاءِ أي الأولون أَضَلُّونا أي لكونهم أول من سن الضلال فَآتِهِمْ أي أذقهم بسبب ذلك عَذاباً ضِعْفاً أي يكون بقدر عذاب غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال ، « ومن سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 1 » ومنه « لا تقتل نفس ظلما إلا على ابن آدم الأول كفل من دمها » لأنه أول من سن القتل ، ثم أكدوا شدة العذاب بقولهم : مِنَ النَّارِ * . ولما كان كأنه قيل : لقد قالوا ما له وجه ، فبم أجيبوا ؟ قيل : قالَ أي جوابا لهم لِكُلٍّ أي من السابق واللاحق والمتبوع والتابع ضِعْفٌ وإن لم يكن الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان سببا لضلال التابع فالتابع أيضا كان سببا لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة شكيمته فيه بتقويته بالاتباع وتأييده بالمناضلة عنه والدفاع ؛ ولما كانوا جاهلين باستحقاقهم الضعف لسبب هذه الدقيقة قال : وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ * أي بذلك . ولما ذكر ملام الآخرين على الأولين ، عطف عليه جواب الأولين فقال : وَقالَتْ أُولاهُمْ أي أولى الفرق والأمم لِأُخْراهُمْ مسببين عن تأسيسهم لهم الضلال ودعائهم إليه فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا أي بسبب انقيادكم لنا واتباعكم في الضلال مِنْ فَضْلٍ أي لنحمل عنكم بسببه شيئا من العذاب لأنه لم يعد علينا من ضلالكم نفع وقد شاركتمونا في الكفر فَذُوقُوا أي بسبب ذلك الْعَذابَ في سجين بِما أي بسبب ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * لا بسبب اتباعكم لنا في الكفر . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 40 إلى 42 ] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 ) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 41 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 42 )
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 1017 والترمذي 1675 والنسائي 5 / 75 . 77 وابن ماجة 203 وابن حبان 3308 والطيالسي 670 والبيهقي 4 / 176 والطبراني 2373 و 2374 وأحمد 4 / 357 و 358 و 359 من حديث جرير .