ابراهيم بن عمر البقاعي

27

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان من المعلوم أن ما كانوا ألفوه واتخذوه دينا يستعظمون تركه ، لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا ، والتوسع فيها مما ينبغي الزهد فيه كما دعا إليه كثير من الآيات ، أكد سبحانه الإذن في ذلك بالإنكار على من حرمه ، فقال منكرا عليهم إعلاما بأن الزهد الممدوح ما كان مع صحة الاعتقاد في الحلال والحرام ، وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين بتحليل حرام أو عكسه فهو مذموم : قُلْ منكرا موبخا مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ أي الملك الذي لا أمر لأحد معه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي ليتمتعوا بها من الثياب والمعادن وغيرها . ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على وجه عم غيرها من المراكب وغيرها ، أتبعها المآكل والمشارب فقال : وَالطَّيِّباتِ أي من الحلال المستلذ مِنَ الرِّزْقِ كالبحائر والسوائب ونحوها ؛ ولما كان معنى الإنكار : لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها ، وكان ربما غلا في الدين غال تمسكا بالآيات المنفرة عن الدنيا المهونة لشأنها مطلقا فضلا عن زينة وطيبات الرزق ، قال مستأنفا لجواب من يقول : لمن ؟ : قُلْ هِيَ أي الزينة والطيبات لِلَّذِينَ آمَنُوا وعبر بهذه العبارة ولم يقل : ولغيرهم ، تنبيها على أنها لهم بالأصالة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وأما الكفار فهم تابعون لهم في التمتع بها وإن كانت لهم أكثر ، فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا خالِصَةً أي لا يشاركهم فيها أحد ، هذا على قراءة نافع بالرفع ، والتقدير على قراءة غيره : حال كونها خالصة يَوْمَ الْقِيامَةِ وفي هذا تأكيد لما مضى من إحلالها بعد تأكيد ومحو الشكوك ، وداعية للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به إنما هو بالقلب بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ولا هي أكبر همه ، وأما كونها ينتفع بها فيما أذن اللّه فيه وهي محقورة غير مهتم بها فذلك من المحاسن . ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني ، أتبعه تعالى قوله جوابا لمن يقول : إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره هكذا ؟ كَذلِكَ أي مثل هذا التفصيل البديع نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نبين أحكامها ونميز بعض المشتبهات من بعض لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * أي لهم ملكة وقابلية للعلم ليتوصلوا به إلى الاعتقاد الحق والعمل الصالح . ولما بين أن ما حرموه ليس بحرام فتقرر ذلك تقررا نزع من النفوس ما كانت ألفته من خلافه ، ومحا من القلوب ما كانت أشربته من ضده ؛ كان كأنه قيل : فماذا حرم اللّه الذي ليس التحريم إلا إليه ؟ فأمره تعالى بأن يجيبهم عن ذلك ويزيدهم بأنه لم يحرم