ابراهيم بن عمر البقاعي

15

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعبا لجميع الجهة المحيطة ، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئا منه وما هو مشتبه عليهم اشتباها قليلا أو كثيرا ، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة ، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضي اللّه عنه . ولما عزم اللعين على هذا عزما صادقا ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه ، ظن أنه بما رأى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته ، فقال عاطفا على ما تقديره : فلأغوينهم وليتبعنني : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ كما هي عادة الأكثر في الخبث شاكِرِينَ * فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد ، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعا لمقام الربوبية وذلا لعظيم شأنه . ولما كان كأنه قيل : ماذا قال له ؟ قيل : قالَ في جواب ما ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من أهل الصغار ، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار ، مصرحا بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط منه اخْرُجْ مِنْها أي الجنة مَذْؤُماً أي محقورا مخزيا بما تفعل ، قال ابن القطاع : ذأمت الرجل : خزيته ، وقال ابن فارس : ذأمته ، أي حقرته مَدْحُوراً أي مبعدا مطرودا عن كل ما لا أريده . ولما علم بعض حاله ، تشوفت النفس إلى حال من تبعه ، فقال مقسما مؤكدا بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي بني آدم ، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أي منك ومن قبيلك ومنهم أَجْمَعِينَ * أي لا يفوتني منكم أحد ، فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء . ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده ، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة ، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه ، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر ، ليكون ذلك سبب سعادته ، فقال عطفا على اخْرُجْ مِنْها : وَيا آدَمُ اسْكُنْ ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من يلابسه ، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل : أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .