ابراهيم بن عمر البقاعي
13
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فاستأنف قوله : قالَ مسببا عن إبائه قوله : فَاهْبِطْ مِنْها مضمرا للدار التي كان فيها وهي الجنة . فإنها لا تقبل عاصيا ، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج ، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه ، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه قوله : فَما يَكُونُ أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر ، ولا مفهوم لقوله لَكَ ولا لقوله : فِيها لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ [ النحل : 23 ] ، كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ [ غافر : 35 ] ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها [ النساء : 48 ] ، وإنما قيد بذلك تهويلا للأمر ، فكأنه قيل : لا ينبغي التكبر إلا لنا ، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذي هو مكان المطيعين المتواضعين جل تحريم الكبر عليه « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر » « 1 » رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وسبب عن كونها لا تقبل الكبر قوله : فَاخْرُجْ أي من الجنة دار الرضوان ، فانتفى أن يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه ، ثم علل أمره بالهبوط والخروج بقوله مشيرا إلى أن كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار : إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان . ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده ، تمادى فيه فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العالية إلى دركته السافلة ، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة إلى درجاتهم العالية ، وذلك بأن قالَ أي إبليس ، وهو استئناف ؛ ولما كان السياق - ولا سيما الحكم بالصغار العاري عن تقييد - يأبى لأن يكون سببا لسؤاله الانتظار ، ذكره بصيغة الإحسان فقال أَنْظِرْنِي أي بالإمهال ، أي اجعلني موجودا بحيث أنظر وأتصرف في زمن ممتد إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * أي من القبور ، وهو يوم القيامة ، وكان اللعين طلب بهذا أنه لا يموت ، فإن ذلك الوقت ليس وقتا للموت ، إنما هو وقت إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة ، فأعلم سبحانه أنه حكم له بالانتظار ، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له ، ولكن هكذا سبق في الأزل في حكمه في قديم علمه ، وإليه يرشد التعبير بقوله : قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * أي في الجملة ، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ذكره في سورتي الحجر وص
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 91 وأبو داود 4091 والترمذي 1998 و 1999 وابن ماجة 4173 وابن حبان 224 وابن خزيمة في التوحيد ص / 384 والطبراني 10000 و 10001 وأحمد 1 / 412 من حديث ابن مسعود .