ابراهيم بن عمر البقاعي
11
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذونا له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة ، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه ؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال : وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ أي بما لنا من صفات العظمة ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه السّلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة ، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون : 12 - 14 ] وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما في الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح » « 1 » وعنه أيضا رضي اللّه عنه عند مسلم قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث اللّه إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب ! أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك » « 2 » الحديث . فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية ، فيحمل على أن معنى صورها : هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل ، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك ، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة ، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها ، ومعنى « خلق » : قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حدا لا يتجاوزه في الجملة ، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكرا أو أنثى ، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكرا أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة ، وبهذا تلتئم هذه الآية مع قوله تعالى إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [ ص : 71 ] فهذا خلق بالفعل ، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه ، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافا إلى المؤالفة وتفظيعا بحال المخالفة ، أي
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 7454 و 3208 ومسلم 2643 وأبو داود 4708 والترمذي 2137 وابن ماجة 76 وابن حبان 6174 والطيالسي 298 وأبو يعلى 5157 وابن أبي عاصم في السنة 175 و 176 وأحمد 1 / 414 من حديث ابن مسعود ( 2 ) صحيح . أخرجه مسلم 2645 وابن حبان 6177 والطبراني 3036 و 3043 وابن أبي عاصم 177 و 179 و 180 وأحمد 4 / 706 من حديث ابن مسعود .