ابراهيم بن عمر البقاعي
96
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يعملوا مثل هذا العمل السوء بينكم ، وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم اللّه قوما قد ارتكبوا خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم : ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها ، ابحثوا نعما وسلوا حسنا ، إن كان القول الذي بلغكم يقينا وفعلت هذه النجاسة في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف ، واقتلوا كل من فيها من النساء والصبيان والبهائم بالسيف ، واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا القرية بالنار وأحرقوا كل نهبها أمام اللّه ربكم ، وتصير القرية تلا خرابا إلى الأبد ولا تبنى أيضا ، ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه عنكم ويعطف عليكم ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال لآبائكم ؛ هذا إن أنتم سمعتم قول اللّه ربكم ، وحفظتم وصاياه التي أمرتكم بها اليوم ، وعملتم الحسنات أمام اللّه ربكم ، فإذا فعلتم هذا صرتم للّه ربكم ، لا تأثموا ولا تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت ، لأنكم شعب طاهر للّه ربكم ، وإياكم اختار اللّه ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا أفضل من جميع شعوب الأمم - انتهى . فقد تبين من هذا كله أن عيسى عليه الصلاة والسّلام مصدق للتوراة في الدعاء إلى توحيد اللّه سبحانه وتعالى وأن الآية الكبرى على صدق النبي الحق اختصاصه اللّه تعالى بالدعوة وتسويته بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه ، وأن الآية على كذب الكاذب دعاؤه إلى غير اللّه ؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال وأمثاله ، فثبت أن المراد بالآية في هذه الآية ما قدمته من الإخبار بأن اللّه سبحانه وتعالى رب الكل والأمر بعبادته ، وهذا كما يأتي من أمر اللّه سبحانه وتعالى لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [ آل عمران : 64 ] إلى أن قال : وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ آل عمران : 64 ] . ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة القويمة الجامعة ، وكان قوله : في أول السورة يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ وقوله هنا يَخْلُقُ ما يَشاءُ مغنيا عن ذكر حملها ، طواه وأرشد السياق حتما إلى أن التقدير : فصدق اللّه فيما قال لها ، فحملت به من غير ذكر فولدته - على ما قال سبحانه وتعالى - وجيها وكلم الناس في المهد وبعده ، وعلمه الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل ، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ما أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر ، فتابعه قوم وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات ، ونصبوا له الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل ، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسليا لهذا النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم : فَلَمَّا أَحَسَّ قال