ابراهيم بن عمر البقاعي

91

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مضى مقدمات لها : وَرَسُولًا عطفا عل ى « تاليا » المقدر ، أو ينصب بتقدير : يجعله إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي بالإنجيل . ولما كان ذكر الرسالة موجبا لتوقع الآية دلالة على صحتها ، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان الرسالة مقرونا بحرف التوقع فقال : أَنِّي أي ذاكرا أني قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي الذي طال إحسانه إليكم ، ثم أبدل من « آية » أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ أي لأجل تربيتكم بصنائع اللّه مِنَ الطِّينِ قال الحرالي : هو متخمر الماء والتراب حيث يصير متهيئا لقبول وقوع الصورة فيه كَهَيْئَةِ وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى وهي الصورة المتهيئة لما يراد منها الطَّيْرِ ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة بقوله معقبا للتصوير : فَأَنْفُخُ قال الحرالي : من النفخ ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى . فِيهِ أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة فَيَكُونُ طَيْراً أي طائرا بالفعل - كما في قراءة نافع ، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة ، ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله : بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيرا بخلق آدم عليه السّلام من تراب ، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك . ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السّلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه ، وكان الغالب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال : وَأُبْرِئُ قال الحرالي : من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء ، والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى . الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بإيجاد ما فقد منهما من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل الخلقة كالذي يولد أعمى أو يعمى قبل أن يميز الأشياء أو يدركها . والبرص أصل معناه : تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه ، ومنه براص الأرض - لبقع لا نبت فيها ، ومنه البريص في معنى البصيص ، فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص . وقال الحرالي : البرص عبارة عن سوء مزاج يحصل بسببه تكرج ، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى . ولما فرغ من رد الأرواح إلى أجزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : وَأُحْيِ الْمَوْتى أي برد أرواحهم إلى أشباحهم ، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة ، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل ، وقد أعطاني