ابراهيم بن عمر البقاعي
715
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المؤنسين الظاهرين حتى صار أكثرهم أتباعكم ، فالآية من الاحتباك : عبر بما يدل على الستر أولا دلالة على ضده - وهو الظهور - ثانيا ، وبما معناه الاستئناس والسكون ثانيا دلالة على ضده - وهو الإيحاش والنفرة - أولا . وَقالَ هو عطف على جواب الجن المستتر عن العامل في « يا مَعْشَرَ » الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة : فقالوا : ربنا هم ضلوا ، لأنهم كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا ، فاستوجبوا العذاب بمفردهم ، وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف عليه - مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم ، وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه ، لأنه خبر من لا يخلف الميعاد ، والمراد بهذه المحاورة ضرب مما يأتي تفصيله بقوله قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا [ الأعراف : 38 ] - الآية ، وقوله فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً - الآية أَوْلِياؤُهُمْ أي الجن مِنَ الْإِنْسِ أي الذين تولوهم بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال ، معترفين مستعطفين رَبَّنَا أيها المربي لنا المحسن إلينا اسْتَمْتَعَ أي طلب المتاع وأوجده بَعْضُنا بِبَعْضٍ نحن بهم فيما قالوا ، وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم وَبَلَغْنا أي نحن وهم أَجَلَنَا وأحالوا الأمر على القدر فقالوا : الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره ، ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به ، فاستوجبنا العذاب كلنا . ولما تم ذلك كان كأنه قيل : فما قال اللّه لهم بعد هذه المحاورة الغريبة التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له ؟ فقيل : قالَ أي المخاطب لهم عن اللّه النَّارُ مَثْواكُمْ أي منزلكم جميعا من غير أن تنفعكم الإحالة على القدر خالِدِينَ فِيها أي إلى ما لا آخر له ، لأن الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ما لا آخر له ، فالجزاء من جنس العمل . ولما كان من المقرر أنه لا تمام لملك من يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه ، بين سبحانه أن ملكه ليس كذلك ، بل هو على غاية الكمال ، لا يجب عليه شيء بل كل فعله جميل ، وجميع ما يبدو منه حسن ، فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال : إِلَّا ما شاءَ ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام الإلهية ، عبر بالاسم الأعظم فقال : اللَّهُ أي الذي له رداء الكبر فلا يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك ، هيهات هيهات ! انقطعت دون ذلك الآمال ، فظلت ناكسة أعناق الرجال ، وبيده إزار العز ، فمن اختلج في سره أن يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل ، وأنزله في مهاوي الخزي ، وقد تقرر أنه سبحانه لا يشاء انقطاع