ابراهيم بن عمر البقاعي

712

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

رزانة صاحبه ، ومنه الأرجوحة لأن كلّا من طرفيها يرجح بالآخر ، ويرجع إلى المنع الحجر بمعنى العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل أو الولد ، والحجر في المال ، والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد عنك - ولو قدر باع - امتنع منك ، وكان التأنيث فيه لقربه ، ويرجع إلى الشخوص الحرج للناقة الطويلة ؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمه اللّه في كتابه « المحتسب في توجيه القراءات الشواذ » عند قوله تعالى في هذه السورة « وحرث حرج » فيمن قرأ بتقديم الراء : إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع ، وإذا أنعمت النظر وتركت الملل والضجر وجدت الأمر كما قال - واللّه أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة وبقيته ، وكله إلى التماسك والضيق ، ومنه الحرج للضيق والجرح مثله ، والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله ، ومنه الحجر وبابه لضيقه ، ومنه الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه ، ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعا بينه وبينها ، فإن قلت : فإنه إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر ؟ قيل : كلامنا على الراجح والراجح هو الذي إلى الأرض ، فأما الآخر فلا يقال له : راجح ، وإذا ثبت ذلك - وقد ثبت - فكذلك قوله تعال ى وَحَرْثٌ حرج في معنى حجر ، معناه عندهم أنها ممنوعة محجورة لن يطعمها إلّا من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - انتهى . ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه ، وإن وصل إليه شيء منها على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكا فنكصت ، وهكذا لا تزال في اضطراب وتردد أبدا ؛ كانت ترجمته قوله : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ أي يتكلف هذا الشخص في قبول الهداية الصعود فِي السَّماءِ في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن ، بما أشار إليه قراءة من أدغم التاء في الصاد ، فكلما أصعدته حركته الاختيارية أهبطته حركته الطبيعية القسرية ، كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئا ثقيلا ويصعد به في جدار أملس ، فيصير يتكلف ذلك فيقع ، ثم يتكلف الصعود أيضا فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط ، وربما سقط دونه ، فهو مما يمتنع عادة ، فلا يزال مرتجسا أي مضطربا ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي . ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه ، وكان الرجس في الأصل لما يستقذر ، والمستقذر ينفر منه ، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالا ، وهو أن يقال : هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان ، أجيب بما حاصله : لا ، كَذلِكَ أي مثل ما جعل اللّه الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان يَجْعَلُ