ابراهيم بن عمر البقاعي
703
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
على صحة ما أخبر به : إِنَّ رَبَّكَ أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب شاهدا لك بإعجازه بالتصديق هُوَ أي وحده أَعْلَمُ وكان الموضع للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقال : بِالْمُعْتَدِينَ * أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 120 إلى 122 ] وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) ولما كان مما يقبل في نفسه في الجملة أن يذكر اسم اللّه عليه ما يحرم لكونه ملكا للغير أو فيه شبهة ، نهى عنه على وجه يعم غيره ، فقال عطفا على « فكلوا » وَذَرُوا أي اتركوا على أيّ حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة ظاهِرَ الْإِثْمِ أي المعلوم الحرمة من هذا وغيره وَباطِنَهُ من كل ما فيه شبهة من الأقوال والأفعال والعقائد ، فإن اللّه جعل له في القلب علامة ، وهو أن يضطرب عنده ولا يسكن كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر « 1 » - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي اللّه عنه ؛ ثم علل ذلك بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ أي ولو بأخفى أنواع الكسب ، بما دل عليه تجريد الفعل ، وهو الاعتقاد للاسم الشريف . ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بني للمفعول قوله سَيُجْزَوْنَ أي بوعد لا خلف فيه بِما أي بسبب ما كانُوا بفاسد جبلاتهم يَقْتَرِفُونَ * أي يكتسبون اكتسابا يوجب الفرق وهو أشد الخوف ويزيل الرفق ، وصيغة الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة . ولما أمرهم بالأكل مما ينفعهم ويعينهم على شكره محذرا من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم ، أتبعه نهيهم نهيا جازما خاصا عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم ، وهو ما ضاد الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أي مما لا يقبل أن يذكر اسْمُ اللَّهِ أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه ، لأن له الكمال كله فله
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 2553 والبخاري في الأدب المفرد 295 و 302 والترمذي 2389 والدارمي 2 / 322 والبيهقي 10 / 192 وأحمد 4 / 182 من حديث النواس بن سمعان ولفظ المصنف عند أحمد 4 / 227 و 228 والطبراني 22 / ( 147 ) و ( 149 ) .