ابراهيم بن عمر البقاعي
701
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب ، قال معللا لهذا الإخبار : إِنَّ رَبَّكَ أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف للارتياب الهادي إلى الصواب هُوَ أي وحده أَعْلَمُ ولكون الحال شديد الاقتضاء للعلم ، قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم فيه العلم مطلقا ثم قال : مَنْ أي يعلم من يَضِلُّ أي يقع منه ضلال يوما ما عَنْ سَبِيلِهِ أي الذي بينه بعلمه وَهُوَ أي وحده أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * كما أنه أعلم بالضالين ، فمن أمركم باتباعه فاتبعوه ، ومن نهاكم عنه فاجتنبوه ، فمن ضل أرداه ، ومن اهتدى أنجاه ، فاستمسكوا بأسبابه حذرا من وبيل عقابه يوم حسابه . ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك ، وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا ، وأتبع ذلك ما لاءمه ، وانتظم في سلكه ولا حمه ، حتى ظهر أي ظهور أن الكل ملكه وملكه ، وأنه لا شريك له ، فوجب شكره وحده ، وكانوا مع ذلك قد كفروا نعمه تعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله ، ومانحين ما خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضرا ولا نفعا ، وتاركين بعض ما أنعم عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة ، وكانت سنة اللّه تعالى قد جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية . ويستدل على ذلك بخلق السماوات والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع ، ثم يعجب ممن أشرك به ، ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيرا بالنعمة ، ليكون ذلك داعية لكل ذي لب إلى شكره ، كما قال تعالى في البقرة عقب وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] ثم قال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 165 ] ثم قال يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [ البقرة : 168 ] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضا ، فقال : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [ الأنعام : 95 ] بعد إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ [ الأنعام : 79 ] ثم وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 100 ] ودل على أنه لا شريك له في ملكه ولا ملكه ، وختم بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره ، وبين أن من آيها الهداية التي جعلها شرطا لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك ؛ فسبب عن جميع ما ذكرت قوله : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ أي وقت الذبح اسْمُ اللَّهِ أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء عَلَيْهِ أي كأن قائلا لذلك سواء ذكر بالفعل أولا ، وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل مندوب إليه ، ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة ، فكأنه قيل : اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ضال ،