ابراهيم بن عمر البقاعي

697

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وَكَذلِكَ أي ومثل ما جعلنا لك أعداء من كفار الإنس والجن جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ أي ممن كان قبلك ، وعبر عن الجمع بالمفرد - والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة فقال : عَدُوًّا وبين أن المراد به الجنس ، وأنهم أهل الشر فقال مبدلا : شَياطِينَ أي أشرار الْإِنْسِ وَالْجِنِّ المتمردين منهم ، وربما استعان شيطان الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه ، أم يكون نوعه إليه أميل ، وأشار إلى هوان أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله : يُوحِي بَعْضُهُمْ أي الشياطين من النوعين إِلى بَعْضٍ أي يكلمه في خفاء زُخْرُفَ الْقَوْلِ أي مزينه ومنمقه . ولما كان هذا يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل ، زاده بيانا بقوله : غُرُوراً أي لأجل أن يغروهم بذلك ، أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ ، والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس بنافع . ولما كان أول الآية معلما أن هذا كان بمشيئة اللّه وجعله ، أيد ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان ، وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية وتنزيها لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن ، ويجر قطعا إلى اعتقاد العجز ، فقال : وَلَوْ شاءَ ولما كان في بيان أعدائه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلطين عليه ، أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه ، لا لهوانه ، فقال رَبُّكَ أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام العلم وشمول القدرة ، أن لا يفعلوه ما فَعَلُوهُ أي هذا الذي أنبأتك به من عداوتهم وما تفرع عليها . ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى خير ، سبب عنه قطعا قوله : فَذَرْهُمْ أي اتركهم على أيّ حالة اتفقت وَما يَفْتَرُونَ * أي يتعمدون كذبه واختلافه ، واذكر ما لربك عليك من العاطفة لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية كما لا يخفى عليك ، فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار ، بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة ، فإنها في عظيم تجرئهم على مقام الإلهية . ولما كان التقدير : ذرهم لتعرض عنهم قلوب الذين يؤمنون بالآخرة وليسخطوه ، وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون ، فترفع بذلك درجاتهم ، عطف عليه قوله : وَلِتَصْغى أي تميل ميلا قويا تعرض به إِلَيْهِ أي كذبهم وما في حيزه أَفْئِدَةُ أي قلوب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب ، وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم ، ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي أصل الغرور وَلِيَرْضَوْهُ أي بما تمكن من ميلهم إليه وَلِيَقْتَرِفُوا أي يفعلوا بجهدهم ما هُمْ