ابراهيم بن عمر البقاعي

689

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك ، فقال : سُبْحانَهُ أي أسبحه سبحانا يليق بجلاله أن يضاف إليه ؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص ، وكان المقام يقتضي كونه في العلو ، صرح به فقال : وَتَعالى أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء عَمَّا يَصِفُونَ * . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 101 إلى 104 ] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من الشريك والولد ، استدل على ذلك التنزيه بأن الكل خلقه ، محيط بهم علمه ، ولن يكون المصنوع كالصانع ، فقال : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبدعهما ، وله صفة الإبداع ، أي القدرة على الاختراع ثابتة ، ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد ، فلذا حسن التعجب في قوله : أَنَّى أي كيف ومن أيّ وجه يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وزاد في التعجيب بقوله : وَلَمْ أي الحال أنه لم يكن لَهُ صاحِبَةٌ وَ الحال أنه خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي مقدور ممكن من كل صاحبة تفرض ، وكل ولد يتوهم ، وكل شريك يدعي فكيف يكون المبدع محتاجا إلى شيء من ذلك على وجه التوليد أو غيره . ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال : وَهُوَ ولم يضمر تنبيها على أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * أي فهو على كل شيء قدير ، لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة - كما يأتي برهانه إن شاء اللّه في طه ، ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة ، بل يكون محتاجا إلى التوليد . ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله ، وبين فساد أقوال المشركين ، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه ، وبين فساد كل واحد منها بأمتن الحجج ، فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات الكمال ، قال مشيرا إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار : ذلِكُمُ أي العالي الأوصاف جدا الذي لا حاجة له إلى شيء ، وكل شيء محتاج إليه اللَّهُ أي الذي له كل كمال رَبُّكُمْ أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان ، فهي فذلكة ما قبلها وثمرته ، لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق للجميع واستحق العبادة وحده فلذا أتبع ذلك قوله : لا إِلهَ إِلَّا