ابراهيم بن عمر البقاعي
686
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ويدخر عنبا قريبا من سنة ، ويكون زبيبه غذاء ، ويكون منه الدبس والخل وغير ذلك ، وأحسن ما فيه عجمه ، وهو يتخذ منه جوارشات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة وقدم النخيل لأنها قوت للعرب ، وبينها وبين الإنسان مشابهة في خواص كثيرة لا توجد في النبات ، ولذا جاء في الحديث « أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من طينة آدم عليه السّلام ، وليس من الشجر يلقح غيرها » « 1 » - رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي رضي اللّه عنه ؛ وأتبعهما ما يليهما في الفضيلة فقال : وَالزَّيْتُونَ وقدمه لكثرة نفعه ، وينفصل منه دهن عظيم النفع في الأكل والضياء وسائر وجوه الاستعمال وَالرُّمَّانَ ختم به لحسنه وعظيم نفعه ، وهو مركب من أربعة أشياء : قشره وشحمه وعجمه ومائه ، فالثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة عفصية فائضة جدا ، والماء بضدها وهو ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال وأشدها مناسبة للطبع المعتدل ، وفي ذلك تقوية للمزاج الضعيف ، وهو غذاء من وجه ودواء من وجه . ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف الفواكه وأعمها ، وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه ، وكان اشتباه بعضها واختلاف بعضها - مع كونها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة - دالا على القدرة والاختيار ، وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك بإثبات كمال القدرة التي هي منفية عن غيره ، فلا يصح أن يكون له شريك ، لأنه لا يكون إلا مشابها لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه ، وللبعث فكان المراد التفكر في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد الوجود ، ولمحاجة أهل الكتاب الموسومين بالعلم المنسوبين إلى حدة الأذهان وغيرهم من الفرق ، وكان افتعل يأتي للتعريف ، وهو المبالغة في إثبات أصل الفعل والاجتهاد في تحصيله والاعتمال ، فكان حصوله إذا حصل أكمل ، قال بانيا حالا من كل ما تقدم : مُشْتَبِهاً أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى لا يكاد يتميز ، فلو قطع ثمرتا شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه من ثمرة هذه ، فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل ، فإنه لمجرد مشاركة أمرين أو أكثر في أصل الفعل ، فعلم أن التقدير : وغير مشتبه ومتشابها ، ثم لما كان ربما تمسك القائل بالطبائع بهذه العبارة ، نفى ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملا في اشتباه بعضها ببعض فقال : وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ أي غير طالب للاشتباه مع أنه لا بد من شبه ما ، فالآية من الاحتباك : أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده ، وهو عدم التشابه ،
--> ( 1 ) ضعيف جدا . أخرجه أبو يعلى 455 وأبو نعيم في الحلية 6 / 123 وابن الجوزي في الموضوعات 1 / 184 من حديث علي . إسناده منقطع لأن عروة لم يدرك عليا ، ومسرور بن سعيد ضعيف . قال ابن حبان : يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة كما في الميزان للذهبي 4 / 97 .