ابراهيم بن عمر البقاعي

676

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا ، فظننتم أنه لكم بالأصالة ، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا وَراءَ ظُهُورِكُمْ فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون . ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة ، ويرجون شفاعتها ، إما استهزاء ، وإما في الدنيا ، وإما في الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث ، قال تهكما بهم واستهزاء بشأنهم : وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي كذبا وجراءة وفجورا أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ أي أن لهم فيكم نصيبا مع اللّه حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة ، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب ؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزا ودهشا وذلا بقوله : لَقَدْ تَقَطَّعَ أي تقطعا كثيرا . ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن ، لأنه يقال : بيني وبين كذا كذا ، وكان فلان بيننا ، ونحو ذلك مما يدل على الحضور ؛ قال منبها على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة الاشتغال بَيْنَكُمْ فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين ، وإذا انقطع البين تقطّع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال ، فلم يبق لأحد منهم اتصال بالآخر ، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين ، فلا يتأتى معه الوصول ، هذا على قراءة الجماعة بالرفع ، وهذا المثال معنى قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية ؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع الوصل ، بين سبب ذلك ، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال : وَضَلَّ عَنْكُمْ أي ذهب وبطل ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * أي من تلك الأباطيل كلها . ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها ، وانتهى الكلام هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة ، وانكشف له قناع الحكمة وتمثل نفوذ الكلمة ، فتهيأ السامع لتأمله ، وتفرع فهمه لتدبره ؛ قال دالا عليه مشيرا إليه ، معلما أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه ، مذكرا بآياته وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وبمحاجة إبراهيم عليه السّلام ، مصرفا ما مضى أول السورة من دلائل الوحدانية على أوجه أخرى ، إعلاما بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال ، وتنبيها على أن القصد بالذات معرفة اللّه تعالى بذاته وصفاته : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له جميع صفات الكمال ، فهو قادر على كل ما يريد فالِقُ الْحَبِّ أي فاطره وشاقه عن الزروع والنبات ، وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوما ، والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة ، فإذا خرج من العدم المحض والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم