ابراهيم بن عمر البقاعي
673
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم ، قال مشيرا إلى عنادهم : قُلْ أي أنت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم فإنهم أجلف الناس وأعتاهم اللَّهَ أي الذي أنزل ذلك الكتاب ثُمَّ بعد أن تقول ذلك لا تسمع لهم شيئا بل ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ أي قولهم وفعلهم المثبتين على الجهل المبنيين على أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملون ما لا يعلمون يَلْعَبُونَ * أي يفعلون فعل اللاعب ، وهو ما لا يجر لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا مع تضييع الزمان . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 92 إلى 93 ] وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ( 93 ) ولما أثبت سبحانه أنه الذي أنزل التوراة والإنجيل تكميلا لإثبات الرسالة بدليل علم اليهود دون من لا كتاب لهم ، عطف على ذلك قوله تأكيدا لإثباتها وتقريرا : وَهذا أي القرآن الذي هو حاضر الآن في جميع الأذهان كِتابٌ أي جامع لخيري الدارين ، وكان السياق لأن يقال : أنزل اللّه ، ولكنه أتى بنون العظمة ، لأنها أدل على تعظيمه فقال : أَنْزَلْناهُ أي وليس من عند محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من نفسه ، وإنما هو بإنزالنا إياه إليه وإرسالنا له به مُبارَكٌ أي كثير الخير ثابت الأمر ، لا يقدر أحد من الخلق على إنكاره لإعجازه ، لتعلم أهل الكتاب خصوصا حقيقته بتصديقه لكتابهم لأنه مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي كله من كتبهم وغيرها ، فيكون أجدر لإيمانهم به ، وتعلم جميع أهل الأرض عموما ذلك بذلك وبإعجازه وَلِتُنْذِرَ أي به أُمَّ الْقُرى أي مكة لأنها أعظم المدن بما لها من الفضائل وَمَنْ حَوْلَها ممن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يؤمن به من أهل الأرض كلها من جميع البلدان والقرى ، لأنها أم الكل ، وهم في ضلالتهم مفرطون وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي فيهم قابلية الإيمان بها على ما هي عليه ، من أهل أم القرى ومن حولها بكل خير ينشرون يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالكتاب بالفعل لأن الإيمان بها داع إلى كل خير بالخوف والرجاء ، والكفر بها حامل على كل بشر . ولما تكرر وصف المنافقين بالتكاسل عن الصلاة جعل المحافظة عليها علما على الإيمان فقال : وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ * أي يحفظونها غاية الحفظ ، فالآية من عجيب فن الاحتباك : ذكر الإندار والأم أولا دالا على حذفهما ثانيا ، وإثبات الإيمان والصلاة ثانيا دليل على نفيهما أولا .