ابراهيم بن عمر البقاعي

671

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ضراء بملك ولا غيره من ملك أو غيره بل لازموا الهدى الدعاء إليه على كل حال ؛ قال مستأنفا لتكرار أمداحهم بما يحمل على التحلي بأوصافهم ، مؤكدا لإثبات الرسالة : أُولئِكَ أي العالو المراتب الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي الملك الحائز لرتب الكمال ، الهدى الكامل ، ولذلك سبب عن مدحهم قوله : فَبِهُداهُمُ أي خاصة في واجبات الإرسال وغيرها اقْتَدِهْ وأشار بهاء السكت التي هي أمارة الوقوف - وهي ثابتة في جميع المصاحف - إلى أن الاقتداء بهم كان غير محتاج إلى شيء ؛ ثم فسر الهدى بمعظم أسبابه فقال : قُلْ أي لمن تدعوهم كما كانوا يقولون مما ينفي التهمة ويمحص النصيحة فيوجب الاتباع إلا من شقى لا أَسْئَلُكُمْ أي أيها المدعوون عَلَيْهِ أي على الدعاء أَجْراً فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي والاستجابة للمرشد ؛ ثم استأنف قوله : إِنْ أي ما هُوَ أي هذا الدعاء الذي أدعوكم به إِلَّا ذِكْرى أي تذكير بليغ من كل ما يحتاج إليه في المعاش والمعاد لِلْعالَمِينَ * أي الجن والإنس والملائكة دائما ، لا ينقضي دعاؤه ولا ينقطع نداؤه ، وفي التعبير بالاقتداء إيماء إلى تبكيت كفار العرب حيث اقتدوا بمن لا يصلح للقدوة من آبائهم ، وتركوا من يجب الاقتداء به . ولما حصر الدعاء في الذكرى ، وكان ذلك نفعا لهم ورفقا بهم ، لا تزيد طاعتهم في ملك اللّه شيئا ولا ينقص إعراضهم من عظمته شيئا ، لأن كل ذلك بإرادته ؛ بني حالا منهم ، فقال تأكيدا لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاما لهم بما هم معترفون به ، أما أهل الكتاب فعلما قطعيا ، وأما العرب فتقليدا لهم ولأنهم سلموا لهم العلم وجعلوهم محط سؤالهم عن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : وَما أي فقلنا ذلك لهم خاصة والحال أنهم ما قَدَرُوا أي عظموا اللَّهَ أي المستجمع لصفات الكمال حَقَّ قَدْرِهِ أي تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه بالكفر له ؛ قال الواحدي : يقال قدر الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره - يقدره - بالضم - قدرا ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : فإن غم عليكم فاقدروا له ، أي فاطلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة ، ثم قيل لمن عرف شيئا : هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته : إنه لا يقدر قدره إِذْ أي حين قالُوا أي اليهود ، والآية مدنية وقريش في قبولهم لقولهم ، ويمكن أن تكون مكية ، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السّلام وإنزال التوراة عليه ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي ناسين ما له من صفات الكمال عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يثبت أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه ، فقد نسبه إلى نقص عظيم ، فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا ! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب