ابراهيم بن عمر البقاعي
665
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الأنبياء الداعين إلى اللّه من نسله ومن خواصه ، وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم عليه السّلام ومختاره للسكنى بنفسه ونسله ، بل مختار اللّه له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان ، ودعوا إلى اللّه ونوروا الأرض بعبادته . ولما كانت النعمة لا تتم إلّا بالهداية ، قال مستأنفا مقدما للمفعول ليشمل الكلام إياهما : كُلًّا أي منهما ومن أبيهما هَدَيْنا ثم أتبع ذلك المهتدين قديما وحديثا تأكيدا لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده ، فكأنه يقول : إن كنتم تلزمون دينكم لأنه عندكم حق ، فقد تبين لكم بطلانه ، وأن الحق إنما هو التوحيد ، وإن كنتم تلزمونه لقدمه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى ، ثم إلى هذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم ، فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية ، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء فليس في آبائكم مثل إبراهيم عليه السّلام ، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم ، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - واللّه الموفق . ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه ، ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما السّلام لدفع ذلك ، ولأن السياق لإنكار الأوثان ، وهو أول من نهى عن عبادتها ، وهو أجلّ آباء الخليل عليه السّلام فقال : وَنُوحاً هَدَيْنا أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج . ولما كانت لم تتجاوز منه ، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم ، أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيرا عن زمانه فقال : مِنْ قَبْلُ أي ولم تكن هدايته إلّا بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل ، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد ، وطالما دعاهم إلى اللّه وربّاهم فلم يرجع منهم كثيرا أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده ، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه عليهم السّلام إشارة إلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة ، وأنه ما حفظ كلّا منهما على سنن الهدى طول المدى إلّا اللّه ؛ ثم ابتدأ المذكورين بعد بمن بنى على يده ويد ابنه مسجدا هو بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السّلام فقال : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ .