ابراهيم بن عمر البقاعي
646
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الأنهار والكنوز وإراحة الحياة ، وتارة بالعذاب من إيقاع السماء عليهم كسفا ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله ، وأمره هنا أن يصرح لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة ، أمره بأن يخبرهم بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله : قُلْ إِنِّي وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء فقال : عَلى بَيِّنَةٍ أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة عليه وتعذيبه بعداوته ، وإما لعدم وثوقه بأنه على الحق ، وأما أنا فواثق بكلا الأمرين مِنْ رَبِّي أي ؟ ؟ ؟ حسن إليّ بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر الملك والملكوت وَ الحال أنكم كَذَّبْتُمْ بِهِ أي ربي حيث رددتم رسالته فهو منتقم منكم لا محالة . ولما قيل ذلك ، فرض أن لسان حالهم قال : فائتنا بهذه البينة ! فقال : إن ربي تام القدرة ، فلا يخاف الفوت فلا يعجل ، وأما أنا فعبد ما عِنْدِي أي في قدرتي وإمكاني ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي في قولك م « أمطر علينا حجارة من السماء » ونحوه حتى أحكم فيكم بما يقتضيه طبع البشر من العجلة إِنِ أي ما الْحُكْمُ في شيء من الأشياء هذا وغيره إِلَّا لِلَّهِ أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له ، ثم استأنف قوله مبينا أنه سبحانه يأتي بالأمر في الوقت الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد غيره على تقديم ولا تأخير فقال : يَقُصُّ أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير ، وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم « يقص » أي يقطع القضاء أو القصص الْحَقَّ ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه ، ليتبعه من قضى بسعادته ، ويتنكب عنه من حكم بشقاوته وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ * لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبسا لمن يريد هدايته ، وجعل في ذلك الظاهر سببا لمن يريد ضلالته ؛ ثم أكد ذلك لمن زاد قلبه في الجلافة مبينا ما في غيره من وخيم العاقبة فقال : قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي على سبيل الفرض ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب لَقُضِيَ وبناه للمفعول لأن المخوف إنما هو الإهلاك ، لا كونه من معين الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فكنت أهلك من خالفني غضبا لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه ، وقد يكون فيهم من كتب في ديوان السعداء ، لكنه لم يكن الأمر إليّ لأني لا أعلم الظالم عند اللّه من غيره ، فليس الأمر إلا إلى اللّه ، لأنه أعلم بالمنصفين فينجيهم وَاللَّهُ أي الذي له الكمال كله أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ * أي المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم . ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزئيات من علمه تعالى وقدرته ، وكان ختامها العلم بالظالم وغيره ، أتبعها الاختصاص بما هو أعم من ذلك ، وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها ، إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها ، ولا يفتحها إلا من حاز