ابراهيم بن عمر البقاعي

642

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 ) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) ولما أمره بتوبيخهم ، أمره - عاطفا على قوله « قل » - بالإنذار على وجه مخز لهم أيضا فقال : وَأَنْذِرْ بِهِ أي بما يوحى إليك ، وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف ، بل الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بلادتهم وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد بقوله : الَّذِينَ يَخافُونَ أي تجويزا للجائز عقلا وعادة . ولما كان المرهوب الحشر نفسه ، لا بقيد كونه من معين ؛ بني للمفعول قوله : أَنْ يُحْشَرُوا أي يجمعوا وهم كارهون إِلى رَبِّهِمْ أي المحسن إليهم بالإيجاد والتربية مع التقصير في الشكر ، حال كونهم لَيْسَ لَهُمْ وأشار إلى تحقير ما سواه وسفوله بالجار فقال : مِنْ دُونِهِ أي من المنزلة التي هي تحت منزلته ، ومن المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته ، ليس لهم ذلك ، أي على وجه الانفراد أو التوسل وَلِيٌّ يتولى أمورهم فينقذهم قهرا مما يخافون وَلا شَفِيعٌ ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * أي ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب اللّه وقاية . ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته ، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته ، فقال : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ وهم الفقراء من المسلمين رَبَّهُمْ أي المحسن إليه عكس ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ؛ ثم بين من حالهم من الملازمة ما يقتضي الإخلاص فقال : بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي في طرفي النهار مطلقا أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام ؛ ثم أتبع ذلك نتيجته فقال معبرا عن الذات بالوجه ، لأنه أشرف - على ما نتعارفه - وتذكّره يوجب التعظيم ويورث الخجل من التقصير : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي لأنه لو كان رياء لاضمحل على طول الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن . ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه صلّى اللّه عليه وسلّم الاتباع إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم ، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير مخلصين في اتباعه ، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة ؛ بين له تعالى أنه لاحظ له في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث للتنفير عنها ، فقال معللا لما مضى أو