ابراهيم بن عمر البقاعي

639

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحا وتارة بإسقاط الكاف ؛ كان ربما وقع في وهم السؤال عن حالة الجهر ، أتبع ذلك ذكره مفصلا لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ ولما كان المعنى : أخبروني ، وكان كأنه قيل : عما ذا ؟ قيل : إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء بَغْتَةً أي بحيث لا يرى إلا ملتبسا بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته ، أَوْ جَهْرَةً أي بحيث ترونه مقبلا إليكم مقدما عليكم هَلْ . ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل ، بني للمفعول قوله : يُهْلَكُ أي في واحدة من الحالتين هلاكا هو الهلاك ، وهو هلاك السخط إِلَّا الْقَوْمُ أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في زعمكم والمقاومة الظَّالِمُونَ * أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له ، وأما المصلح فإنه ناج إما في الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى عليه ؛ وذكر أبو حيان أنه لما كان مطلق العذاب صالحا لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم ، كان التوعد به أهول ، فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب ، والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق فأعري من حرف الخطاب . ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل ، وأعرض عما أرسلهم به ربهم من الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر ، وطلبه منهم ما لا يقدر عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من الآيات ؛ بين لهم حقيقة الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا يطلب إلا من الإله ، فقال عاطفا على وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ [ الأنعام : 42 ] وَما نُرْسِلُ أي بما لنا من العظمة الْمُرْسَلِينَ أي نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من الماضي وغيره إِلَّا مُبَشِّرِينَ لمن أطاع وَمُنْذِرِينَ لمن عصى ، عريقين في كل من الوصفين ، لا مجيبين إلى ما يقترح الأمم ، ولا معذبين لمن يعاندهم ؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من النفع والضر فقال : فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ أي تصديقا لإيمانه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي في الدنيا ولا في الآخرة ، أما في الآخرة فواضح ، وأما في الدنيا الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية ، فهو إلى فناء ثم إلى سرور دائم ، فهو عدم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أي حزنا يضر بحياتهم الأبدية . ولما بين حال المصلحين ، أتبعه حال المفسدين فقال : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي على ما لها بنسبتها إلينا من العظمة يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ أي الدائم المتجدد ، وكني عن