ابراهيم بن عمر البقاعي
636
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 42 إلى 45 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) ولما أقام لهم بهذه الآية على توحيده الدليل حتى استنارت السبل في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف به البلاء ، أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء ، ترغيبا في إدامته وترهيبا من مجانبته فقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا أي بما لنا من العظمة إِلى أُمَمٍ أي أناس يؤم بعضهم بعضا ، وهم أهل لأن يقصدهم الناس ، لما لهم من الكثرة والعظمة . ولما كان المراد بعض الأمم ، وهم الذين أراد اللّه إشهادهم وقص أخبارهم ، أدخل الجار فقال : مِنْ قَبْلِكَ أي رسلا فخالفوهم ، وحسّن هذا الحذف كونه مفهوما فَأَخَذْناهُمْ أي فكان إرسالنا إليهم سببا لأن أخذناهم بعظمتنا ، ليرجعوا عما زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه الرسل بِالْبَأْساءِ من تسليط القتل عليهم وَالضَّرَّاءِ بتسليط الفقر والأوجاع لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * أي ليكون حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ ، بما يرشد إليه - مع صيغة التفعيل - الإظهار ، ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد ، وعند الكشف للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة ، بخلاف ما يأتي في الأعراف . ولما لم يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه ، تسبب عنه الإنكار عليهم ، فقال معبرا بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع : فَلَوْ لا أي فهلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولما كان معنى الإنكار أنهم ما تضرعوا قال : وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي فلم يذكروا ربهم أصلا وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات ما كانُوا يَعْمَلُونَ * من العظائم والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع والتسكن ، كما هو اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا فَتَحْنا أي بما يليق بعظمتنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي من الخيرات والأرزاق والملّاد التي كانت مغلقة عنهم ونقلناهم من الشدة إلى الرخاء ، وذلك استدراجا لهم ، ومددنا زمانه وطوّلنا أيامه حَتَّى إِذا فَرِحُوا أي تناهى بهم الفرح بِما أُوتُوا أي معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء بعد أن كان ابتلاهم بذلك ، فعلم أنهم في غاية من الغباوة ، لا يرتدعون بالتأديب بسياط البلاء ، ولا ينتفعون ببساط المنة والرخاء ، بل ظنوا أن البلاء عادة الزمان ، والرخاء باستحقاقهم الامتنان ، فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه بحار ولا