ابراهيم بن عمر البقاعي

634

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يَجْعَلْهُ وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال : عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * بأن يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد اللّه فما له من مضل ومن يضلل اللّه فما له من هاد ، مع أن الكل عباده وخلقه ، متقلبون في نعمه ، غادون رائحون في بره وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون . ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق لقوله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ الأنعام : 21 و 93 ] وقوله كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ [ الأنعام : 5 ] الآيتين رجع بالذي بعدها إلى فذلكة التفاصيل الماضية وواسطة عقدها وفريدة درها ، وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين ، فقال دالا على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتهم بطلب الآية نفيها ، واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به ، بيانا لأنهم في الظلمات مقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجبا منهم : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عنادا وشهد أن مع اللّه آلهة أخرى ، وعدل باللّه الذي يعلم السر والجهر ، وهو مع من يدعوه في كل سماء وكل أرض بعنايته ونصره . ولما كانت حقيقة أَ رَأَيْتَكُمْ : هل رأيتم أنفسكم ، وكان هذا لكونه سؤالا عن معلوم لا يجهله أحد - مشيرا إلى أن السؤال عن غيره مما قد يخفى من أحوال النفس ، كان كأنه قيل : عز أيّ أحوال نفوسنا نسأل ؟ فقيل تنبيها لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي يصير في العلم به كالسؤال عن رؤية النفس سواء : إِنْ أَتاكُمْ أي قبل مجيء الساعة كما أتى من قبلكم عَذابُ اللَّهِ أي المستجمع لمجامع العظمة ، فلا يقدر أحد على كشف ما يأتي به أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أي القيامة بما فيها من الأهوال . ولما عجب منهم بما مضى - كما مضى ، قال مجيبا للشرط موبخا لهم منكرا عليهم عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه ، ويجوز أن يكون جواب الشرط محذوفا تقديره : من تدعون ؟ ثم زادهم توبيخا وتبكيتا بقوله : أَ غَيْرَ اللَّهِ أي الملك الذي له العظمة كلها تَدْعُونَ أي لشدة من تلك الشدائد ، ولا تدعون اللّه مع ذلك الغير إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * أي في أن غير اللّه يغني شيئا حتى يستحق الإلهية ، وجواب الشرط محذوف تقديره : فادعوا ذلك الغير ، وهذه حجة لا يسعهم معها غير التسليم ، فإن عادتهم كانت مستمرة أنهم إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير اللّه ولا يوجهون الهمم إلا إليه ، فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا : لا ندعو غيره ، فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له ، وإن عاندوا نطق لسان الحال أنهم على محض الضلال ، وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب ، وهي مع