ابراهيم بن عمر البقاعي

630

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

فقال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى أي لأن قدرته شاملة ، وإيمانهم في حد ذاته ممكن ، ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم ؛ ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم - بعد إعلام اللّه له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم بكفره - حريصا على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلا عن القريب ، مع ما أوصاه اللّه به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم ، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر جازم أو نهي مؤكد صارم ، سبب عن ذلك قوله : فَلا تَكُونَنَّ فأكد الكلام سبحانه ليعلم صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قد حتم بافتراقهم ، فيسكن إلى ذلك ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم مِنَ الْجاهِلِينَ * أي إنك أعلم الناس مطلقا ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم تعاشره ، فكيف بمن بلوتهم ناشئا وكهلا ويافعا ! فلا تعمل بحجة ما أوصاك اللّه به من الصبر والصفح ، وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم بخلاف ما يعلم من خسرانهم ، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه ، فإن ما شاءه لا يكون غيره ، فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على عظيم رتبته صلّى اللّه عليه وسلّم ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن شاء اللّه تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [ التوبة : 43 ] . ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال من حتم بالموت ، فلا يمكن إسماعه إلا اللّه ، ولا يمكن أن يستجيب عادة ، قال : إِنَّما يَسْتَجِيبُ أي في مجاري عاداتكم الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أي فيهم قابلية السمع لأنهم أحياء فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به ، وهؤلاء قد ساووا الموتى في عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم وَالْمَوْتى أي كلهم حسا ومعنى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي الملك المحيط علما وقدرة ، فهو قادر على بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ ، فالآية من الاحتباك : حذف من الأول الحياة لدلالة الْمَوْتى عليها ، ومن الثاني السماع لدلالة يَسْمَعُونَ عليه . ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت ، حثا على الإيمان وترغيبا فيه ، وقدر قدرته على البعث ، خوّف من سطواته بقوله : ثُمَّ إِلَيْهِ أي وحده يُرْجَعُونَ * أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما يشاء منهم ، لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده أصلا وحسا بعد الموت ، فيساقون قهرا إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه . ولما سلاه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره ، وأعلمه