ابراهيم بن عمر البقاعي

617

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مقتضى ظاهر لفظه ، ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر ، أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر ، أو بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر ، برهانه : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [ إبراهيم : 4 ] وقال فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [ النور : 63 ] ، ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة العربية ، لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص ، وأسقط وجوب الطاعة له بدعواه الكاذبة ، وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما يقتضيه - انتهى . وقال أهل الأصول : إن الظاهر ما دل على المعنى دلالة ظنية أي راجحة ، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح ، فإن حمل عليه لدليل فصيح - أو لما نظن دليلا وليس في الواقع بدليل - ففاسد ، أو لا لشيء فلعب لا تأويل ، قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام على أن رؤية اللّه تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب : والحق ما ظهر لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ، ليكون لفظ الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة الظواهر إلّا لضرورة - انتهى ، وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني رأيته بخطه : الآية العاشرة : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] قال المفسرون كلهم في تفسيرها : للجن والإنس ، وقال بعضهم : والملائكة . الثانية عشرة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ : 28 ] قال المفسرون : معناها : إلا إرسالا عاما شاملا لجميع الناس ، أي ليس بخاص ببعض الناس ، فمقصود الآية نفي الخصوص وإثبات العموم ، ولا مفهوم لها فيما وراء الناس ، بل قوتها في العموم يقتضي عدم الخصوصية فيهم وحينئذ يشمل الجن ، ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال : وما أرسلناك إلا إلى الناس ، فإن كلمة « إلا » تدخل على ما يقصد الحصر فيه ، فلما أدخلها على كَافَّةً دل على أنه المقصود بالحصر ، ويبقى قوله لِلنَّاسِ لا مفهوم له ، أما أولا فلأنه مفهوم قلب وأما ثانيا فلأنه لا يقصد بالكلام ، أما ثالثا فلأنه قد قيل : إن ( الناس ) يشمل الإنس والجن ، أي على القول بأنه مشتق من النوس ، وهو التحرك ، وهو على هذا شامل للملائكة أيضا ، وممن صرح من أهل اللغة بأن ( الناس ) يكون من الإنس ومن الجن الإمام أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب ، قال السبكي : السابعة عشرة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ ص : 87 ] الثامنة عشرة إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ [ يس : 11 ] ونحوهما كقوله