ابراهيم بن عمر البقاعي

611

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وهو متروك ، ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم السّلام قوله تعالى لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] وإذا تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي قبلها قطعت بذلك لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا [ يس : 70 ] ، إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] إذ هم من جملة العالمين وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن اتبع الذكر ، والخطاب بالإنذار وارد مورد التغليب ، إذ الإنس والجن أهل له ، فانتفى ما يقال : إن الملائكة في غاية الخوف من اللّه تعالى مع عصمتهم فليسوا ممن يخوف ، ويزيد ذلك وضوحا قوله تعالى : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 29 ] ولا إنذار أعظم من ذلك ، وإن عيسى عليه السّلام من هذه الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « والذي نفسي بيده ! لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي » « 1 » أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر رضي اللّه عنه ، ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة ، وقد ثبتت رسالته إلى الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى ، وبالتعليق بالحياة لموسى عليه السّلام ، وقد أخذ اللّه سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السّلام إن أدركوه ليؤمنن به ، وقد خوطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو أشرف الخلق وأكملهم - بالإنذار في غير آية ، فمهما أول به ذلك في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم قيل مثله في حقهم عليهم السّلام ، ومما يرفع النزاع ويدفع تعلل المتعلل بالإنذار قوله تعالى لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 2 ] فحذف مفعول « تنذر » دال على عموم رسالته ، وتعليق الذكرى بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السّلام ، وقوله تعالى لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ [ مريم : 97 ] إلى غيرها من الآيات ، فيكون عموم رسالته لهم زيادة شرف له ، وهو واضح ، وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على طاعته والتقيد بما حده لهم من أعمال ملته طاعة للّه تعالى زيادة في أجورهم ورفعة درجاتهم ، وذلك مثل ما قال أبو حيان في قوله تعالى فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الأعراف : 144 ] : إن في الأمر له

--> ( 1 ) حسن لشواهده . أخرجه البيهقي في الشعب 176 و 177 وأحمد 3 / 387 وأبو يعلى كما في المجمع 1 / 173 . 174 والبزار 124 من حديث جابر بن عبد اللّه من طريقين ، أحدها فيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى وسعيد وغيرهما ، وفي الأخرى جابر الجعفي ، وهو ضعيف اتهم بالكذب قاله الهيثمي في المجمع 1 / 174 . - وللحديث شاهد أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء مرفوعا كما في المجمع 1 / 174 ( 810 ) وفي إسناده أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي ولم أر من ترجمه ، وبقية رجاله موثقون . قاله الهيثمي . فالحديث بمجموع طرقه يصير حسنا ، ويؤيده نزول عيسى في آخر الزمان ، وتطبيقه لشريعة الإسلام .