ابراهيم بن عمر البقاعي

61

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

شديدا لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أي ذلك العمل السوء أَمَداً أي زمانا . قال الحرالي : وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري ، فهو مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه بَعِيداً من البعد ، وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى . فالآية من الاحتباك : ذكر إحضار الخير دلالة على حضور السوء ، وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير . ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن اللّه يحذركموه وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها نَفْسَهُ فاللّه سبحانه وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد ، قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس فتجد ما عملت ، ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة ، بل الذي ينبغي أن يبرئ العبد من نفسه تبرئته من أن يكون له إرادة ، وأن يلاحظ علم اللّه وقدرته في كلية ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى . ولما كان تكرير التحذير قد ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف ، فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين ، فهو من رأفته بالمحذرين فقال بانيا على ما تقديره : ويعدكم اللّه سبحانه وتعالى فضله ويبشركم به لرأفته بكم : وَاللَّهُ أي والحال أن الذي له وحده الجلال والإكرام رَؤُفٌ بِالْعِبادِ * قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ابتدائيا ، والتحذير السابق انتهائيا ، فكان هذا رأفة سابقة ، وكان الأول الذي ترتب على الفعل تحذيرا لاحقا متصلا بالمصير إلى اللّه ، وهذا الخاتم مبتدأ بالرأفة من اللّه . والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة ، والذي يفصح عن المعنى - واللّه سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، فمن تحقق أن الأمر للّه سبحانه وتعالى وجد رفقه وفضله ورحمته عليه لما برئ من دعوى شيء من نسبة الخير إلى نفسه ، فأحبه لذلك ، قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى اللّه ؟ فقال : أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ذلك من ربه أحبه بما وحّده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في الآجلة - انتهى . وقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولا دال على الوعد بالخير ثانيا ، والرأفة ثانيا دالة على الانتقام أولا - واللّه سبحانه وتعالى الموفق . ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهرا وباطنا بما اقتضى القصر على موالاة أهل اللّه لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في شيء من اللّه ، وكان الإنسان ربما والى الكافر وهو يدعي محبة اللّه سبحانه وتعالى ، وختم برأفته سبحانه وتعالى بعباده ، وكانت الرأفة قد تكون عن المحبة الموجبة للقرب ، فكان الإخبار بها ربما دعا إلى