ابراهيم بن عمر البقاعي

608

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بصرى ليوصله إليه ، فعظم كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقبله وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه سيغلب على ملكه ، فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا ، فخافهم فقال : إنما أردت أن أجربكم « 1 » ، ثم لم يقدر اللّه له الإسلام ، فأزال اللّه حكمه عن الشام وكثير من الروم على يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم ، ثم عن كثير من الروم أيضا على يد من بعدهم ، ومكن بها الإسلام ، لكن أثابه اللّه على تعظيم كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن ، وبلغني أن الكتاب محفوظ عندهم إلى هذا الزمان ؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي اللّه عنه إلى الحارث بن أبي شمر الغساني - وقال القضاعي : المنذر بن أبي شمر عامل قيصر على تخوم الشام - ثم إلى جبلة بن الأيهم الغساني ، فأما الحارث أو المنذر فغضب من الكتاب وهمّ بالمسير إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليقاتله ، زعم فنهاه عن ذلك قيصر ، فأكرم شجاعا ورده وأسلم حاجبه مري الرومي بما عرف من صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الإنجيل ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « باد ملك الحارث ، وفاز مري » « 2 » فقلّ ما لبث الحارث حتى مات ، وولي بعده في مكانه جبلة بن الأيهم الغساني ، وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام ، فرد إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شجاع بن وهب رضي اللّه عنه ، فرد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ردا جميلا ولم يسلم ، واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة عمر رضي اللّه عنه لما رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك ، ثم إنه ارتد - ولحق ببلاد الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها ، « 3 » فسبحان الفاعل لما يشاء ! وبعث عبد اللّه بن حذافة السهمي رضي اللّه عنه إلى كسرى ملك الفرس ، وأمره أن يدفع الكتاب إلى

--> ( 1 ) هذا وما قبله هو بعض كلمات من حديث طويل أخرجه البخاري 7 ومسلم 1773 وابن حبان 6555 والبيهقي في الدلائل 4 / 380 واللالكائي في أصول الاعتقاد 2457 وأحمد 1 / 263 من حديث ابن عباس عن أبي سفيان في خبر لقائه مع هرقل ، وصدره عند مسلم : قال أبو سفيان : انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبينا أنا بالشام ، إذ جيء بكتاب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل ، قال : وكان دحية الكلبي جاء به ، فدفعه إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل . . . وفيه : قال هرقل لأبي سفيان : إن كان ما تقول فيه حقا ، فإنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظنه منكم ، ولو أني أعلم أني أخلص إليه ، لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، وليبلغنّ ملكه ما تحت قدمي ، . . . الحديث والسياق لمسلم . وعجزه عند البخاري : « فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلّقت ، ثم اطلع ، فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد ، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلّقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان . قال : ردوهم عليّ ، وقال : إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم ، فقد رأيت ، فسجدوا له ، ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل ا ه . ( 2 ) هذا الخبر ورد في السيرة الحلبية 3 / 353 وهو في طبقات ابن سعد 1 / 200 بنحوه . ( 3 ) انظر طبقات ابن سعد 1 / 203 .