ابراهيم بن عمر البقاعي

607

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عظيم ، وكانوا في كل حين يسبحون ويباركون اللّه « 1 » - انتهى ما نقلته من الأناجيل . وما كان فيه من لفظ يوهم نقصا ما فقد تقدم في أول آل عمران أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على اللّه تعالى وإن كان صح إطلاقه في شرعهم ، فهو مؤول وقد نسخ ؛ وقال الإمام محيي السنة البغوي في تفسير آل عمران فيما نقله عن وهب « 2 » : فلما كان بعد سبعة أيام - أي من ادعاء اليهود لصلبه - قال اللّه تعالى لعيسى عليه السّلام : اهبط على مريم المجدلانية في جبلها ، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ، ولم يحزن عليك أحد حزنها ، ثم لتجمع لك الحواريين فتبثهم في الأرض دعاة إلى اللّه تعالى ، فأهبطه اللّه تعالى عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا ، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ، ثم رفعه اللّه إليه ، وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى ، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه السّلام إليهم ، فذلك قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ آل عمران : 54 ] هذا ما ذكر من شأن رسل عيسى عليه السّلام أنهم كانوا دعاة ، وأما رسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإنهم كانوا مبلغين لكتبه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن قبل ذلك كان حظه من اللّه ، ومن أبى كان جوابه السيف الماحق لدولته - كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة وهو مذكور في فتوح البلاد ؛ ولما بعث صلّى اللّه عليه وسلّم رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك الخاتم ، أخرج أبو يعلى في مسنده عن أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتب إلى كسرى وقيصر - وفي رواية : وأكيدر دومة وإلى كل جبار - يدعوهم إلى اللّه « 3 » وأخرج الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن أنس بن مالك أيضا رضي اللّه عنه قال : لما أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكتب إلى الروم - وفي رواية : إلى العجم - قالوا : إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما ، فاتخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاتما من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نقشه « محمد رسول اللّه » « 4 » . فبعث دحية بن خليفة الكلبي رضي اللّه عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن يوصل الكتاب إلى عظيم

--> ( 1 ) نقل المصنف رحمه اللّه كلاما حول رسل عيسى عليه السّلام ، من عدة أناجيل مع أن هذه الأناجيل محرفة كتبت بأيدي أناس ، فلو لم يذكر مثل هذا في كتابه ، لكان أولى ، واللّه أعلم . ( 2 ) هذا الخبر باطل . لا حجة فيه ، وهب بن منبه تابعي ثقة إلا أنه يحدث من كتب الأقدمين ، أي الإسرائيليات . والصواب أن عيسى عليه السّلام لم ينزل بعد ، وإنما ينزل في آخر الزمان ، كما أخبر بذلك الصادق الأمين صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 3 ) صحيح . أخرجه مسلم 1774 وأبو يعلى 2954 و 3071 والبيهقي 9 / 107 من حديث أنس . واللفظ لأبي يعلى ، والرواية الثانية من الحديث هي له أيضا في روايته الثانية . ( 4 ) صحيح . أخرجه البخاري 5875 ومسلم 2092 ح 56 . 57 و 58 من حديث أنس بن مالك . واللفظ لمسلم ، وهو عند البخاري مختصر .