ابراهيم بن عمر البقاعي
601
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تابعا يوم القيامة » « 1 » أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ولعل الاقتصار على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك ، وقد ذكر في نزول هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : أما وجد اللّه رسولا غيرك ؟ ما نرى أحدا يصدقك بما تقول ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر ، فأرنا من يشهد أنك رسول اللّه كما تزعم ، فأنزلها اللّه « 2 » . ولما لم يبق لمتعنت شبهة ، ساق فذلكة ذلك وقطب دائرته - وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مرقّى إليه ، فإذا ثبت في قلب فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان « 3 » - مساق استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيما لشأنه وتفخيما لمقامه وتنبيها لهم على أن يبعدوا عن الشرك فقال : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ أي الذي حاز جميع العظمة آلِهَةً . ولما كانوا لكثرة تعنتهم ربما أطلقوا على أسمائه سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يا اللّه يا رحمن » كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى آخر الحجر وآخر سبحان « 4 » ، صرح بالمقصود على وجه لا يحتمل النزاع فقال : أُخْرى ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ذلك ، فماذا يقال لهم ؟ قال : قُلْ لا أَشْهَدُ أي معكم بشيء مما تقولونه لأنه باطل ، ولو كان حقا لشهدت به . ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه ، اجتثّه من أصله وبرمته بقوله : قُلْ إِنَّما هُوَ أي الإله إِلهٌ واحِدٌ وهو اللّه الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء ، لأنه واحد لا كفوء له ، فإنكم عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس . ولما كان معنى هذا البراءة من إنذارهم ، صرح به في قوله مؤكدا في جملة اسمية : وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعادا من تطمعهم أن تكون الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئا منها وليا ، فثبت التوحيد بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد ، ولقد امتثل صلّى اللّه عليه وسلّم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن ، فلما استراح عن حرب قريش وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية ،
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4981 ومسلم 152 من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ . ( 2 ) هذا الخبر ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 160 بلا إسناد عن الكلبي من قوله ، والكلبي هو محمد بن السائب عالم في التفسير إلا أنه واه في الحديث بل اتهمه بعضهم ، ولم يتابع على ما ذكره من كونه سببا لنزول الآية . واللّه أعلم . ( 3 ) هو اسم زحل بالفارسية . ( 4 ) هي سورة الإسراء ، تسمى أيضا سورة بني إسرائيل .