ابراهيم بن عمر البقاعي
591
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 7 إلى 10 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) ولما كانت ترجمة ما مضى : ثم هم يعدلون بربهم غيره ويكذبونك فيما جئت به من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم شديد الحرص على إيمانهم ، كان المقام يقتضي أن يقول لسان الحال : أنزل عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى العيان كما اقترحوا عليّ ، فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك ، بقوله عطفا على وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ تحقيقا له وتصويرا في جريته : وَلَوْ نَزَّلْنا أي على ما لنا من العظمة عَلَيْكَ كِتاباً أي مكتوبا من السماء فِي قِرْطاسٍ أي ورق ، إجابة لما أشار عليهم اليهود باقتراحه ، ثم حقق أنه واضح الأمر ، ليس بخيال ولا فيه نوع لبس بقوله : فَلَمَسُوهُ أي زيادة على الرؤية . وزاد في التحقيق والتصوير ودفع التجوز بقوله : بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ وأظهر ولم يضمر تعليقا للحكم بالوصف وتنبيها على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ولو بعد ذلك فقال : الَّذِينَ كَفَرُوا أي حكما بتأبد كفرهم سترا للآيات عنادا ومكابرة ، ولعله أسقط منهم إشارة إلى عموم دعوته ، أي من العرب ومن غيرهم من أمة دعوتك ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ [ النساء : 153 ] إِنْ أي ما هذا إِلَّا سِحْرٌ أي تمويه وخيال لا حقيقة له ، وزادوا في الوقاحة فقالوا : مُبِينٌ أي واضح ظاهر ، قال صاحب كتاب الزينة : معنى السحر في كلام العرب التعليل بالشيء والمدافعة به والتعزير بشيء لا محصول له ، يقال : سحره - إذا علله وعزره وشبه عليه حتى لا يدري من أين يتوجه ويقلب عن وجهه ، فكأن السحرة يعللون الناس بالباطل ويشبهون الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته . ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من إنزال الكتاب ، أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم ، وبين لوازمه ، فإنهم قالوا : لو بعث اللّه رسولا لوجب كونه ملكا ليكون أكثر علما وأقوى قدرة وأظهر امتيازا عن البشر ، فتكون الشبهة في رسالته أقل ، والحكيم إذا أراد تحصيل مهّم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالا إليه ، فقال : وَقالُوا لَوْ لا أي هلا ولم لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أي من السماء ظاهرا لنا يكلمنا ونكلمه ولا يحتجب عنا . ولما ذكر قولهم مشيرا إلى شبهتهم ، نقضه بقوله : وَلَوْ أي والحال أنا لو