ابراهيم بن عمر البقاعي

584

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يصل إلى استثمار فائدته إلا من هيىء بحسب السابقة فقال تعالى : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [ الأنعام : 36 ] ثم قال تعالى : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [ الأنعام : 36 ] ، وهو - واللّه أعلم - من نمط أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها ، والمراد أن من الخلق من جعله اللّه سامعا مطيعا متيقظا معتبرا بأول وهلة ، وقد أري المثال سبحانه وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليه السّلام في قوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 75 ] ، فكأنه يقول لعباده المتقين : تعالوا فانهجوا طريق الاعتبار ملة أبيكم إبراهيم كيف نظر عليه السّلام نظر السامع المتيقظ ! فلم يعرج في أول نظره على ما سبب وجوده بيّن فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب والقمر والشمس ، بل نظر فيما عنه صدر النور ، لا في النور ، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، فتأمل كونه عليه السّلام لم يطول النظر بالتفات النور ، ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور ، بل لما رأى النور عن أجرام سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات ، فرأى الأفول والطلوع والانتقال والتقلب فقال : هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث ، ثم رقى النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جاريا فيهما فحكم بأن وراءها مدبرا لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 79 ] وخص عليه السلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور وسببيتهما في وجود الظلمة ، ثم تأمل هذا النظر منه عليه السّلام وكيف خص بالاعتبار أشرف الموجودين وأعلاهما ، فكان في ذلك وجهان من الحكمة : أحدهما علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما سواه أبين ، فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي ، والوجه الثاني التناسب بين حال الناظر والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية « وهو من قبيل أخذ نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار اللبن ، فقيل له : اخترت الفطرة ! « 1 » فكان قد قيل : هذا النظر والاعتبار بالهام ، لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد الضياء والظلام ، وينبغي أن يعتمد في قصة إبراهيم عليه السّلام في هذا الاعتبار أنه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : هذا رَبِّي * إنما قصد قطع حجة من عبد شيئا من ذلك إذ كان دين قومه ، فبسط لهم الاعتبار والدلالة ، وأخذ يعرض ما قد تنزه قدره عن الميل إليه ، فهو كما يقول

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 3437 و 3394 و 5603 ومسلم 168 والترمذي 3130 والنسائي 8 / 312 وابن حبان 52 والبيهقي في الدلائل 2 / 387 وعبد الرزاق 5 / 329 وأحمد 2 / 282 من حديث أبي هريرة وصدره عند البخاري : « ليلة أسري بي لقيت موسى » وفيه . . . : « وأوتيت بإناءين أحدهما لبن ، والآخر فيه خمر ، فقيل لي : خذ أيهما شئت . . . » .