ابراهيم بن عمر البقاعي

583

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

على بعض بالظلم والعدوان ، وجعل لهم آجالا فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل والفرع ، فأنتج هذا أنه ما خلق اللّه السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، أي بسبب إقامة العدل في جميع ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل مالك في عبيده وَأَجَلٌ مُسَمًّى - الآية . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما بين سبحانه وتعالى حال المتقدمين وهو الصراط المستقيم ، وأوضح ما يظهر الحذر من جانبي الأخذ والترك ، وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه ، وهم اليهود والنصارى ، وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم ، وانقضى أمر الفريقين ، ذما لحالهم وبيانا لنقضهم وتحذيرا للمتقين أن يصيبهم ما أصابهم ، وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع الصادقين صدقهم ، وقد كان انجرّ مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي وعماهم عن الآيات ، فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي ، أعقب ذلك تعالى بالإشارة إلى طائفة مالت إلى النظر والاعتبار ، فلم توفق لإصابة الحق وقصرت عن الاستضاءة بأنوار الهدى . وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت ، بل هم في صورة من همّ ، أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط اللّه تعالى في المخلوقات فلم يمعن النظر ولم يوفق فضلّ وهم المجوس وسائر الثنوية ممن كان قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام ، ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا إخبار بحال فقال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد النور والظلمة ، إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام ، والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها وهي الشمس والقمر والنجوم ، فكان الكلام : الحمد للّه الذي أوضح الأمر لمن اعتبر واستبصر ، فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض وما أودع فيها ، ومع بيان الأمر في ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الأنعام : 1 ] وقوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [ الأنعام : 2 ] مما يزيد هذا المعنى وضوحا ، فإنه تعالى ذكر أصلنا والمادة التي عنها أوجدنا ، كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة ، وهو وجود السماوات والأرض ، وأشعر لفظ جَعَلَ بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ما ذكر ، وكان قد قيل : أيّ فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى النور والظلمة ، وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم ؟ فالأمر في ذلك أوضح شيء ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [ الأنعام : 2 ] ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا