ابراهيم بن عمر البقاعي
581
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب ، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية ، وأصحاب الروحانيات ، أعني مدبرات الكواكب والأفلاك ، وينتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السّلام ، ويدعون أنه منهم - وقد أعاذه اللّه من ذلك ، والسّمنية القائلون بإلهية الشمس ، مع تأكيد الرد على الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار النجوم ، يتبين ذلك لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق والفاروق رضي اللّه عنهما ، وقال تنكلوشا البابلي في أول كتابه في أحكام الدرج الفلكية : إن القدماء من الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار الفلك ، وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا يظهرون علم الفلك لكل الناس ، بل كانوا يخفون أكثره عن عامتهم ، ويعطونهم منه بمقدار ما يصلح ، ويتدارسون الباقي بينهم مطويا بين علمائهم وحكمائهم ، ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ثلاثمائة وستين ، ثم قال : وقسموا الدرج أقساما كثيرة حتى قالوا : إن بعضها ذكور وبعضها إناث ، وبعضها مسعدة وبعضها منحسة ، ثم قال : كل ذلك يريدون فيه الدلالة منها على ما تدل عليه في عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة عالما وخلقا منفردا بمدته ، وأن ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها - تعالى اللّه عن أن يكون له شريك أو يكون له كفوا أحد . ولما قرر سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض اللتين منهما وفيهما الأصنام والكواكب والأجرام التي عنها النور والظلمة ، فثبت وجوده على ما هو عليه من الإحاطة بأوصاف الكمال التي أثبتها الحمد ، فبطلت جميع مذاهبهم ، فعجب منهم بكونهم يعدلون به غيره ، أتبع ذلك اختصاصه بخلق هذا النوع البشري ، وهو - مع ما فيه من الشواهد له بالاختصاص بالحمد والرد على المطرين لعيسى عليه السّلام المخلوق من الطين بخلق أبيهم آدم عليه السّلام - مؤكد لإبطال مذهب الثنوية ، وذلك أنهم يقولون : إن النار خالق الخير ، والظلمة خالقة الشر ، فإذا ثبت أنه الخالق لنوع الآدميين الذين منهم الخير والشر من شيء واحد ، وهو الطين الذي ولد منه المني الذي جعل منه الأعضاء المختلفة في اللون والصورة والشكل من القلب وغيره من الأعضاء البسيطة كالعظام والغضاريف « 1 » ، والرباطات والأوتار ، ثبت أن خالق أوصافهم من الخير والشر واحد قدير عليم ، لأن توليد الصفات المختلفة من المادة المتشابهة لا يكون إلا ومبدعة واحد مختار ، لا اثنان ، وهو الذي خلق الأرض التي منها أصلهم ، وهو اللّه الذي اختص
--> ( 1 ) الغرضوف والغضروف : كل عظم رخص يؤكل ا ه قاموس .