ابراهيم بن عمر البقاعي
577
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أنالهم إياها ، وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه : فلما طلب تعالى المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم ، وذكّرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما أعقب ذلك فاعله ، وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والامتثال ، أراهم جل وتعالى ثمرة الوفاء وعاقبته ، فقال تعالى وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [ المائدة : 116 ] إلى قوله - هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ - إلى آخرها . فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض ، وعاقبة من وفى ، وأنهم الصادقون ، وقد أمرنا أن نكون معهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ التوبة : 119 ] - انتهى . ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة بالوفاء شكرا على ما أحل لهم في دنياهم ، ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ورقاهم إلى أن أباحهم أجلّ النفائس في أخراهم ، ووصف سبحانه هذا الذي أباحه لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه ، أخذ يغبطهم به فقال : ذلِكَ أي الأمر العالي لا غيره الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * . ولما كان هذا الذي أباحه لهم وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول ، ولا تكتنه بفروع ولا أصول ، علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيرا إلى أن كل ما ادعيت فيه الإلهية مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك ، لأنه ملكه وفي ملكه وتحت قهره : لِلَّهِ أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته ، لا لغيره مُلْكُ السَّماواتِ بدأ بها لأنها أشرف وأكبر ، وآياتها أدل وأكثر وَالْأَرْضِ على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما وَما فِيهِنَّ أي من جوهر وعرض . ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه ، عمم بقوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ أي من ذلك وغيره من كل ما يريد قَدِيرٌ * فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو الإله وحده ، وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء ، وإحلال ما شاء وتحريم ما شاء ، والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين على العهود ، لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من عيسى وغيره ، والكل بالنسبة إليه أموات ، بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب « ما » لا ب « من » ، فمن يستحق معه شيئا ومن يملك معه ضرا أو نفعا ! وقد انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق ، واتسقت جميع آياتها أخذا بعضها بحجز بعض أيّ اتساق ؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان ! مخجلا لمن أباه من الأمم ، معجزا لأصحاب السيف والقلم ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .