ابراهيم بن عمر البقاعي
573
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
السّلام ، وقولي : هذه عكة سمن أهديناها لك ، فانطلقت بها الجارية إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذوها ففرغوها ، وقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : علقوها ولا توكوها ، فعلقوها في مكانها ، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمنا ، فقالت : يا فلانة ! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ! فقالت : قد واللّه انطلقت بها كما قلت ، ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر منها شيء ولكنه قال : علقوها ولا توكوها ، فعلقتها في مكانها ، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت ، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء « 1 » ، قال : وروي ذلك من وجه آخر ، ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي اللّه عنه « 2 » . وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة وليس معها زاد ، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشا شديدا ، قالت : فسمعت هفيفا شديدا فوق رأسي ، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من السماء برشاء أبيض ، فتناولته بيدي حتى استمسكت به ، قالت : فشربت منه حتى رويت ، قالت : فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة . قال : وفي الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال : « بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشرة رهط سرية عينا ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم - فذكر الحديث حتى قال : فابتاع خبيبا - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا ، فأخبرني عبيد اللّه بن عياض أن ابنة الحارث قالت : واللّه ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، واللّه لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر ، وكانت تقول : إنه لرزق من اللّه رزق خبيبا » « 3 » الحديث . ومن الأمر الجلي أن عيسى عليه السّلام بعد أمر اللّه تعالى له بذكر هذه النعم يقوم في ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها ، وهو الثناء على المنعم بها بما يليق بجلاله ، فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق بذلك المقام في ذلك الجمع ، فمن أنسب الأمور حينئذ
--> ( 1 ) هذا اللفظ للبيهقي في أواخر دلائل النبوة . وأصله في الصحيح ، وهو الآتي . ( 2 ) حديث جابر أخرجه مسلم 2280 وأحمد 3 / 347 كلاهما من حديث جابر . ولفظه : « أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في عكة لها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندهم شيء ، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتجد فيه سمنا ، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته ، فأتت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عصرتيها قالت : نعم . قال : « لو تركتيها ما زال قائما » . ( 3 ) صحيح . أخرجه البخاري 4086 من حديث أبي هريرة بزيادة « فخرجوا به من الحرم فقال : دعوني أصلي ركعتين ، ثم انصرف إليهم فقال : اللهم أحصهم عددا ، ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله » ا ه .