ابراهيم بن عمر البقاعي
566
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يأت بثمرة ؛ وقال متى : وبعض سقط في الأرض الجيدة فأعطى ثمره ، للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين - قال لوقا : فلما قال هذا نادى : من له أذنان سامعتان فليسمع - فتقدم إليه تلاميذه وقالوا له : لما ذا تكلمهم بالأمثال ؟ فأجابهم وقال : أنتم أعطيتم معرفة سرائر ملكوت السماوات - وقال لوقا : فقال لهم : لكم أعطي علم سرائر ملكوت اللّه - وأولئك لم يعطوا ، ومن كان له يعطي ويزاد ، ومن ليس له فالذي له يؤخذ منه - وقال لوقا : والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه له - فلهذا أكلمهم بالأمثال ، لأنهم يبصرون فلا يبصرون ، ويسمعون فلا يسمعون ولا يفهمون ، لكي تتم فيهم نبوة أشعيا لقائل : سمعا يسمعون فلا يفهمون ، ونظرا ينظرون فلا يبصرون ، لقد غلظ قلب هذا الشعب ، وثقلت آذانهم عن السماع ، وغمضوا أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم ، فأما أنتم فطوبى لعيونكم ! لأنها تنظر ، ولآذانكم ! لأنها تسمع ؛ وقال لوقا : ومثل الزرع هذا هو كلام اللّه ؛ وقال متى : كل من يسمع كلام الملكوت ولا يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في قلبه ، هذا الذي زرع على الطريق ، والذي زرع على الصخرة هو الذي يسمع الكلام وللوقت يقبله بفرح ، وليس له فيه أصل ، لكن في زمان يسير ، إذا حدث ضيق أو طرد فللوقت يشك - وقال مرقس : بسبب الكلمة فيشكون للوقت : وقال لوقا : وهم إنما يؤمنون إلى زمان التجربة ، وفي زمان التجربة يشكون - والذي يزرع في الشوك فهو الذي يسمع الكلام فيخنق الكلام فيه ؛ وقال لوقا : فتغلب عليهم هموم هذا الدهر وطلب الغنى ؛ وقال مرقس : ومحبة الغنى وسائر الشهوات التي يسلكونها ، فتخنق الكلمة فلا تثمر فيهم ؛ وقال متى : فيكون بغير ثمرة ، والذي زرع في الأرض الجيدة هو الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره ؛ وقال لوقا : وأما الذي وقع في الأرض الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد فيحفظونها ويثمرون بالصبر ؛ قال متى : للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين . وضرب لهم مثلا آخر قائلا : يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله ، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع زوانا في وسط القمح ومضى ، فلما نبت القمح ظهر الزوان ، فجاء عبيد رب البيت فقالوا له : يا سيد ! أليس زرعا جيدا زرعت في حقلك ! فمن أين صار فيه زوان ؟ فقال لهم : عدو فعل هذا ، فقال عبيده : تريد أن نذهب فنجمعه ؟ فقال لهم : لا ، لئلا تنقلع معه الحنطة ، دعوهما ينبتان جميعا إلى زمان الحصاد ، وأقول للحصادين : أولا اجمعوا الزوان فشدوه حزما ليحرق ، فأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي . وضرب لهم مثلا آخر قائلا : يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله ، لأنها أصغر الزراريع كلها - وقال مرقس : وهي أصغر