ابراهيم بن عمر البقاعي

555

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

واللّه ! اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمرا يحتمل أن ينفعك ولا يضرك إلا أخذت به ، ولا تدع أمرا يحتمل أن يضرك ولا ينفعك إلا تجتنبه ، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمرا تقول : لو أني فعلته أو تركته ، ولكنك تقول : قدر اللّه وما شاء فعل ، بخلاف ما إذا لم تنعم النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتما تقول : لو أني فعلت كذا وكذا ، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم ، فيكثر لك من « لو » لأنها مفتاح عمله ، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة ؛ روى أحمد في المسند عن أبي عامر الأشعري رضي اللّه عنه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له في أمر رآه : يا أبا عامر ! ألا غيرت ؟ فتلا هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : أين ذهبتم ؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم » « 1 » وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى « أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه قال : يا أيها الناس ! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها ، وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم اللّه بعقابه . قال البغوي : وفي رواية : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن اللّه عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب ، ثم ليدعون اللّه خياركم فلا يستجاب لكم » « 2 » واللّه الموفق . ولما حكم اللّه تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط هداهم ، وكان الكفار يعيرونهم ، قال مؤكدا لما أخبر به ومقررا لمعناه : إِلَى اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا شريك له ، لا إلى غيره مَرْجِعُكُمْ أي أنتم ومن يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ أي يخبركم إخبارا عظيما

--> - 2 / 366 ، 370 كلهم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة . ولفظ مسلم : « المؤمن القوي خير ، وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن باللّه ولا تعجز ، وإن أصابك شيء ، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ، ولكن قل قدر اللّه وما شاء فعل ، فإن لم تفتح عمل الشيطان » . ( 1 ) حسن . أخرجه أحمد 4 / 129 ، 201 ، 202 والطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم كما في الدر كلهم من حديث أبي عامر الأشعري ، وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات . ( 2 ) حسن . أخرجه أبو داود 4338 والترمذي 2168 ، 3057 والنسائي في الكبرى 11157 وابن ماجة 4005 وأبو يعلى 128 ، 129 ، 130 ، 131 ، 132 وأحمد 1 / 2 ، 5 ، 7 ، 9 كلهم من حديث أبي بكر الصديق بألفاظ متقاربة . وقال الترمذي : وهذا حديث صحيح . قال ابن كثير في تفسيره 2 / 113 : وروي موقوفا لكن صوب الدارقطني وغيره الرفع .