ابراهيم بن عمر البقاعي
553
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي ، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم ، فقال تعالى دالا على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم ، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه تَعالَوْا أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي الذي لا أعظم منه ، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه وَإِلَى الرَّسُولِ أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه قالُوا حَسْبُنا أي يكفينا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا . ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم ، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء ، قال منكرا عليهم موبخا لهم : أَ وَلَوْ أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن اللّه بطريق من الطرق الواصلة إليه ، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلا للاقتداء به ، وقد لا يشعر لكونه جهله مركبا فلا يجوز الاقتداء به ، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال : وَلا يَهْتَدُونَ * أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب ، لأن من لا يعلم لا صواب له ، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم ، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة ، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار ، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر ، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر ، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً إلى قوله : وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ [ النساء : 117 ، 118 ] فالتفت حينئذ إلى قوله : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أيّ التفات . ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيها لآبائهم ، فيعود ضررا عليهم يسبّون به على زعمهم ، أعلم اللّه المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلا ، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي الزموا هدايتها وإصلاحها ؛ ولما كان كأنه قيل : إنا ننسب بآبائنا ، وننسب إليهم ، فربما ضرتنا نسبتنا إليهم عند اللّه كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فقال : لا ، إنك مؤمن وهو كافر - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال : لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه