ابراهيم بن عمر البقاعي

550

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان الإنسان قاصرا عن علم ما غاب ، فكان زجره عن الكشف عما يسوءه زجرا له عن كل ما يتوقع أن يسوءه ، قال تعالى : إِنْ تُبْدَ أي تظهر لَكُمْ بإظهار عالم الغيب لها تَسُؤْكُمْ ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفا من عواقبه . قال : وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها أي تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ أي والملك حاضر تُبْدَ لَكُمْ ولما كان ربما قال : فما له لا يبديها سئل عنها أم لا ؟ قال : عَفَا اللَّهُ بما له من الغنى المطلق والعظمة الباهرة وجميع صفات الكمال عَنْها أي سترها فلم يبدها لكم رحمة منه لكم وإراحة عما يسوءكم ويثقل عليكم في دين أو دنيا ؛ ولما كانت صفاته سبحانه أزلية ، لا تتوقف لواحدة منها على غيرها ، وضع الظاهر موضع المضمر لئلا يختص بما قبله فقال نادبا من وقع منه ذنب إلى التوبة : وَاللَّهُ أي الذي له مع صفة الكمال صفة الإكرام غَفُورٌ أزلا وأبدا يمحو الزلات عينا وأثرا ويعقبها بالإكرام على عادة الحكماء حَلِيمٌ * أي لا يعجل على العاصي بالعقوبة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 102 إلى 105 ] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) ولما نهى عن السؤال عنها ليتعرف حالها ، علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء وطلب أن يعطاها ، إما بأن سأل غيره ذلك ، وإما بأن شرعها وسأل غيره أن يوافقه عليها وهو قاطع بأنها غاية في الحسن فكانت سبب شقائه فقال : قَدْ سَأَلَها يعني أمثالها ، ولم يقل : سأل عنها ، إشارة إلى ما أبديته قَوْمٌ أي أولو عزم وبأس وقيام في الأمور . ولما كان وجود القوم فضلا عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل ، أدخل الجار فقال : مِنْ قَبْلِكُمْ ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديرا بالقبول لا سيما إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك . فكان رده في غاية البعد ، عبر عن استبعاده بأداة العبد في قوله : ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها أي عقب إتيانهم إياها سواء من غير مهلة كافِرِينَ * أي ثابتين في الكفر ، وهذا زجر بليغ لأن يعودوا لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلا إلى الرهبانية والتعمق في الدين المنهي عنه بقوله : لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 87 ] .