ابراهيم بن عمر البقاعي
542
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان سبحانه رحيما بهذه الأمة ، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال : أَوْ عليه كَفَّارَةٌ هي طَعامُ مِسْكِينٍ في الحرم بمقدار قيمة الهدي ، لكل مسكين مد أَوْ عَدْلُ ذلِكَ أي قيمة المثل صِياماً في أيّ موضع تيسر له ، عن كل مد يوم ، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها ، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل . ولما كان الأمر مفروضا في المتعمد قال معلقا بالجزاء ، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم لِيَذُوقَ وَبالَ أي ثقل أَمْرِهِ وسوء عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه ؛ ولما كان هذا الجزاء محكوما به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب ، ولا يعرفون عاقبة أمر إلّا تخرصا « 1 » ، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطىء ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصونا لحرمة الشرع وحفظا لجانبه ورعاية لشأنه ، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء ، كانوا كأنهم قالوا : فكيف نصنع بما أسلفنا ؟ قال جوابا : عَفَا اللَّهُ أي الغني عن كل شيء الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال عَمَّا سَلَفَ أي تعمده ، أي لكم من ذلك ، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز وَمَنْ عادَ إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل ؛ ولما كان المبتدأ متضمنا معنى الشرط ، قرن الخبر بالفاء إعلاما بالسببية فقال : فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ أي الذي له الأمر كله مِنْهُ أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام . ولما كان فاعل ذلك منتهكا لحرمة الإحرام والحرم ، وكان التقدير : فاللّه قادر عليه ، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال : وَاللَّهُ أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمته عظمة عَزِيزٌ لا يغلب ذُو انْتِقامٍ * ممن خالف أمره . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 96 إلى 97 ] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 96 ) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) ولما كان هذا عاما في كل صيد ، بين أنه خاص بصيد البر فقال : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ أي اصطياده ، أي الذي مبناه غالبا على الحاجة ، والمراد به جميع المياه من الأنهار والبرك وغيرها وَطَعامُهُ أي مصيده طريا وقديدا ولو كان طافيا قذفه البحر ، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر ، وما أكل مثله في البر .
--> ( 1 ) الخرص : الكذب ، وتخرّص عليه : افترى واخترص : اختلق والخراصة بالكسر : الإصلاح ا ه قاموس .