ابراهيم بن عمر البقاعي

541

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة ، ولا معنى لفسقها إلا أذاها وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون أو في الحرم . ولما كان سبحانه عالما بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعا لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده ، شرع لمن خالف كفارة تخفيفا منه على هذه الأمة ورفعا لما كان على من كان من قبلها من الآصار ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً أي قاصدا للصيد ذاكرا للإحرام إن كان محرما ، والحرم إن كان فيه عالما بالتحريم . ولما كان هذا الفعل العمد موجبا للإثم والجزاء ، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجبا للجزاء فقط ، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي اللّه عنهم العمد الذي كان سببا لنزول الآية كما في آخرها ، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال : فَجَزاءٌ أي فمكافأة مِثْلُ ما قَتَلَ أي أقرب الأشياء به شبها في الصورة لا النوع ، ووصف الجزاء بقوله : مِنَ النَّعَمِ لما قتله عليه ، أي عليه أن يكافىء ما قتله بمثله ، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل ، هذا على قراءة الجماعة بإضافة « جزاء » إلى « مثل » ، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين « جزاء » ورفع « مثل » فالأمر واضح . ولما كان كأنه قيل : بما تعرف المماثلة ؟ قال : يَحْكُمُ بِهِ أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة ، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي المسلمين ، وعن الشافعي أن الذي له مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة ، وما لم تحكم فيه ، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية ، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين ، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام ، فكل ما كان أقرب شبها به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين ، وإن كان عمدا فلا ، لأنه يفسق به . ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقا بمساكينها ، قال مبينا لحاله من الضمير في « به » : هَدْياً ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره ، صرح به فقال : بالِغَ الْكَعْبَةِ أي الحرم المنسوب إليها ، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاما بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره ، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم ، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه « يبلغ » فلذا وصف بها النكرة .